تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
مملوكه على الإطلاق كما في المماليك العرفية ، وأما هو تعالى فإنه يتصرف في ملكه وهو تصرف من مالك حقيقي بنحو الإطلاق في مملوك حقيقي كذلك ، ثم إن من المتراءى منه تعالى أنه جرى في معاملته مع خلقه مجرى العقلاء في المجتمع الإنساني ، وأمضى طريقة العقلاء من تحسينهم الإحسان والمشي على طبق المصالح والمدح على ما هو ممدوح وتقبيحهم الظلم والمفاسد . وبعبارة أخرى : أنه تعالى بني في الأحكام الشرعية التي شرعها لعباده على ما يرعاه العقلاء . ومن المعلوم أن أفعالهم معلَّلة بأغراض عقلائية ، وعليه تكون تشريفاتهم العرفية من مجازاة الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة ، ومن طريقتهم العقلائية أنهم لا يوجهون الحكم إلا إلى المختار دون المضطر ، ولا يرون حسنا في تكليف المضطر والمجبر بل يرونه قبيحا إلا فيما كان الاضطرار مستندا إلى سوء الاختيار كما حقق في محله ، فحينئذ نقول المستفاد من تلك الأخبار هو أنه تعالى مشى في تشريعه على طريقة العقلاء ، فحينئذ لو أجبر سبحانه عباده على الطاعات أو المعاصي لم يكن جزاء المطيع بالجنة والعاصي بالنار إلا جزافا في المطيع وظلما في العاصي ، وهما قبيحان عند العقلاء فعنده تعالى أولى . وكيف كان فالتكاليف الشرعية ليست مبنيّة على الإجبار ، بل كما أنها شرعت عن مصلحة لهم دنيويّا وأخرويّا أيضا تكون متوجه إليهم من حيث كونهم مختارين ، فهم يثابون عليها أو يعاقبون ، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ ، وأيضا المستفاد من مشيه تعالى على طريقتهم في التشريع هو أنّ التشريع كما لا يلايم الجبر ، كذلك لا يلائم التفويض ، إذ لا معنى بالأمر والنهي المولويين فيما لا يملك المولى من عنده شيئا ، مضافا إلى أن التفويض لا يتمّ إلا مع سلب إطلاق الملك منه تعالى عن بعض ما في ملكه ، وقد علمت أنه تعالى مالك الخلق على الإطلاق . أقول : هذا هو مقتضى المستفاد من ظواهر الأخبار الواردة في الباب ، وكأنه
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 563 | الشيخ جواد بن عباس الكربلائي / محسن الأسدي