بيان لما يجب على كل مسلم أن يعتقد في مسألة الجبر والتفويض بالأمر بين الأمرين بنحو تكون أحكامه الاعتقادية ما ذكر من لزوم إبقاء الله على قدرته وسلطنته ، ومن عدم تحقق الجبر للعبد بل هو مختار ، وإلا لزم القبح منه تعالى تعالى الله من ذلك ، وكيف كان فما ذكر بيان للتكليف الشرعي في المسألة وما يجب الاعتقاد به .
وأما بيان حقيقة الأمر بين الأمرين فلم يذكر فيها إلا بنحو الإجمال والإشارة كما في حديث عباية بن ربعي ، وفي قوله مثل ذلك " مثل رجل رأيته على معصيته . . إلخ ، "
وقوله " بما أوسع بما بين السماء والأرض ، "
فإنه يشير إجمالا إلى حقيقة خفيّة ، بل لعلها لا يتحمّلها كثير من أفهام العقلاء ، بل ربما أوجب لهم الكفر كما في حديث مهزم ، فإن حقيقتها غامضة جدا لا تكاد تتّضح إلا للعارف بالتوحيد الأفعالي كما لا يخفى .
ثم إن القول في بيان حقيقته وإن كان غامضا ، إلا أنّا نشير إليه حسب ما ساعدنا التوفيق الإلهي ، ونرجو منه تعالى الإعانة والاستمداد لفهمه .
اعلم أنهم اختلفوا في أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرتهم واختيارهم أم هي واقعة بقدرة الله تعالى ، مع الاتفاق على أنها أفعالهم لا أفعاله إذ القائم والقاعد والآكل والشارب وغير ذلك هو الإنسان مثلا ، وإن كان الفعل مخلوقا لله تعالى فإن الفعل نسبته إلى من قام به لا إلى من أوجد .
أقول : هذا بالنظر إلى ظاهر الأمر ، وإلا فيظهر أن الفعل مستند حقيقة إلى من أوجد ، وهو الله تعالى وإلى من قام به بالنظر الظاهري وبالتّبع ، فتأمل .
فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : إن أفعال العباد كلَّها بقدرة الله تعالى مخلوقاته ، ولا تأثير لقدرة العبد في مقدوره أصلا ، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا ، ويوجد فعله المقدور مقارنا لهما ، فيكون فعل العبد مخلوقا لله تعالى إبداعا وإحداثا ومكسوبا للعبد ، والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون فيه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له ، وقد
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 564
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٦٤