القلوب أو النقر في الأسماع ، وان كانت علومهم عليهم السّلام على أقسام كما تقدم من قول موسى بن جعفر عليه السّلام " مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه : ماض وغابر وحادث . أما الماضي : فمفسّر . وأما الغابر : فمزبور . وأما الحادث : فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا . . . إلخ " . ثم إنه تعالى لمّا حمّلهم علومه هذه أعلمهم أيضا جهات التحمل والتبليغ ، فهم عليهم السّلام المؤدّون إلى من أمروا بالأداء لا غيرهم ، وحينئذ نقول : معنى التفويض لهم في أمر الدين أنه تعالى فوّض إليهم تبليغ ما أمرهم بتبلغيه كما حدده وبيّنه لهم فهم عليهم السّلام بأمره يعملون ، ومع ذلك كله ليس الله تعالى قد رفع يده وقدرته عنهم بحيث يعملون ما يعملون بقدرتهم الاستقلالية وبإرادتهم المستقلة ، فإن هذا كما علمت تفويض باطل وشرك صريح ، لأن كل شيء من الخلق فإنما هو في قبضته تعالى ولا قوام له إلا به تعالى حدوثا وبقاء . وكيف كان فهم عليهم السّلام حملة أمره ونهيه وعلمه بقدرته تعالى ، وهم تراجمة وحيه بقدرته تعالى ومشيته تعالى ، ومعنى التفويض لهم بهذا المعنى يرجع في الحقيقة إلى أنه تعالى قد خصّهم بهذا الأمر الذي فسّرناه دون غيرهم ، بل غيرهم لا يقدر على ذلك كما لا يخفى وذلك لقربهم عليهم السّلام إليه تعالى دون غيرهم كما تقدمت الإشارة إليه . وأما المسألة الثانية أعني بيان أنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين . فنقول : أولا نذكر أحاديث الباب ثم نعقبه بما بيّنه العلماء وحسب ما يستفاد منها ، وما ذكره العرفاء الشامخون في ذلك . ففي توحيد الصدوق ( 1 ) ، عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : " إن الله عز وجل خلق الخلق فعلم ما هم سائرون إليه وأمرهم ونهاهم ، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 559
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٥٩
هامش
( 1 ) توحيد الصدوق ص 359 . .