شيء " أي من طريق الوحي كما لا يخفى ، فالنفي بلحاظ الوحي لا بلحاظ الحقيقة . والحاصل : أنّ تأديبه تعالى إياه صلَّى الله عليه وآله ليس المراد منه التأديب الأخلاقي العادي ، بل المراد التربية القلبية والتقويم القلبي بحيث لا يقوم إلا على ما أراده تعالى ، ثم إن لهذا البحث عرضا عريضا ، لعلنا نذكره في طيّ الشرح ، وهذا الذي ذكر هو أحد معاني التفويض . قال المجلسي ( رحمة الله عليه ) في البحار ( 1 ) : ثانيهما : أنّه تعالى لما أكمل نبيه صلَّى الله عليه وآله بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئا إلا ما وافق الحقّ والصواب ، ولا يحل بباله ما يخالف مشيته تعالى في كل باب فوّض إليه تعيين بعض الأمور كالزيارة في الصلاة وتعيين النوافل في الصلاة والصوم وطعمة الجد وغير ذلك مما مضى وسيأتي إظهارا لشرفه وكرامته عنده ، ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي ، ولم يكن الاختيار إلا بإلهام ، ثم كان يؤكَّد ما اختاره بالوحي ، ولا فساد في ذلك عقلا وقد دلَّت النصوص المستفيضة عليه . أقول : ما ذكره ( رحمة الله عليه ) صحيح إلا أنّ قوله رحمه الله : ولم يكن أصل التعيين إلا بالوحي ، ولم يكن الاختيار إلا بإلهام ، ينافي بظاهره قوله عليه السّلام : " من غير أن يكون جاء فيه شيء ، " فإنه ظاهر في أن تلك الموارد من أحكامه صلَّى الله عليه وآله إنما هو من عند نفسه صلَّى الله عليه وآله من دون الاستناد إلى الوحي والإلهام ، فالظاهر في توجيهه هو ما ذكرنا من أنه صلَّى الله عليه وآله لما صار من تأديبه تعالى بحيث ليس له اختيار نفساني ولا إرادة نفسانيّة ، بل لا يريد ولا يختار ذاتا إلا ما أراده تعالى واختاره . فحينئذ تكون مختاراته صلَّى الله عليه وآله في تلك الأمور التي وضعها صلَّى الله عليه وآله عين مختاراته تعالى من دون مجيء وحي ولا إلهام ، بل من نفس إرادته تعالى واختياره النازلتين في قلبه الطاهر من غيره تعالى .
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 554
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٥٤
هامش
( 1 ) البحار ج 25 ص 348 . .