والعلوم الإلهية ، التي تكون حقائق أرواحهم على صورتها الواقعية ، قد تكون الوحي وقد تكون إرادتهم عليهم السّلام وهما معا سواء في إظهار مختاره وإرادته ومشيّته تعالى ، بل الله تعالى خلقهم لهذا الأمر ، أي جعلهم وعاء لمشيّته تعالى وعلى صورتها ، وهم ترجمان وحيه كالوحي ومع ذلك لم يرفع يده تبارك وتعالى ، أي قدرته النافذة في جميع الأشياء عنهم في جميع أفعالهم وأقوالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكناتهم ، فهم بأمره يعملون لا شيء من إرادتهم وميولات أنفسهم ، لما تقرر في محله من أن الممكن مهما بلغ إلى القرب فهو محتاج إلى مدده تعالى بقاء ، كما كان محتاجا إليها حدوثا ، وهم عليهم السّلام لما خلقهم تعالى كذلك وأدّبهم بما علمت قد أطاعوه في كل حال ، وصدقوا معه في كل موطن ، فجزاهم الله تعالى بأن أوجب على نفسه إجابتهم في كل ما سألوه وأرادوه ، وهذا الذي أوجبه تعالى على نفسه هو معنى التفويض لهم ، أي أن كل ما أرادوه فعله بهم ، وأجراه على حسب إرادتهم ، لما علم الله تعالى أنهم عليهم السّلام لاستقامة عقولهم واستواء فطرتهم وتأديبه تعالى إياهم بما علمت لا يشاؤن إلا ما هو محبوب له تعالى .
ولعل إليه يشير ما تقدم في التوقيع " فأما الأئمة عليهم السّلام يسألون الله تعالى فيخلق ، ويسألونه فيرزق إيجابا لمسألتهم وإعظاما لحقهم "
وهذا معنى قوله عليه السّلام " حتى قومه على ما أراد ، "
فهو صلَّى الله عليه وآله مقوّم على إرادته أي ليس فيه إرادة النفس ، بل هو كالميّت بين يدي الغسّال يقلَّبه كيف يشاء كما ورد عنه صلَّى الله عليه وآله " من أراد أن ينظر إلى ميّت يمشي فلينظر إليّ ، "
كما تقدم .
وحينئذ فما يحكم به ويريده ليس إلا ما حكم به الله تعالى وأراده ، وإن لم يرد به نصّ إلهي وآية قرآنية .
وبعبارة أخرى : قد يكون الحكم الإلهي منزلا إليه من طريق الوحي ، وقد يكون من طريق القلب المتصل به تعالى اتصال حقيقة العبد بالرب ، فحينئذ نقول :
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 553
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٥٣