يحللون ما شاء ، ويحرمون ما شاء ، ولا يفعلون إلا ما شاء عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . فهذه الديانة التي من تقدمها غرق في بحر الإفراط ، ومن نقصهم عن هذه المراتب التي رتّبهم الله فيها زهق في بحر التفريط ، ولم يوفّ آل محمد حقّهم فيما يجب على المؤمن من معرفتهم ، ثم قال : خذها يا محمد فإنها من مخزون العلم ومكنونه " . أقول : التفويض له معان بعضها منفي عنهم عليهم السّلام وبعضها مثبت لهم : أما المنفي عنهم عليهم السّلام فهو التفويض في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والتربية مستقلا بحيث يقال : إنهم عليهم السّلام يفعلون جميع ذلك بقدرتهم وإرادتهم ، فهم الفاعلون حقيقة ، فهذا كفر ظاهر وتعطيل للذات المقدسة الربوبية . وإليه يشير ما تقدم من قول الرضا عليه السّلام : " فأما الخلق والرزق فلا " . وإليه يشير أيضا ما في البحار ( 1 ) ، وروي عن زرارة أنه قال : قلت للصادق عليه السّلام : إن رجلا من ولد عبد الله بن سبإ يقول بالتفويض ، فقال : " وما التفويض ؟ قلت : إن الله تبارك وتعالى خلق محمدا وعليا ( صلوات الله عليهما ) ففوّض إليهما فخلقا ورزقا وأماتا وأحييا ، فقال عليه السّلام : كذب عدوّ الله ، إذا انصرفت إليه فاتل عليه هذه الآية التي في سورة الرعد : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهّار 13 : 16 ( 2 ) " . أقول : وقد يستفاد من بعض الأخبار أن الله تعالى خلطهم بنفسه تشريفا في الخلق حيث يقول ( خلقنا ) بصيغة الجمع ، ووجّهه بعضهم بما حاصله أنه تعالى يخلق الخلق بوسائط من أسمائه الحسني ، فالخالق الحقيقي هو الله تعالى ، إلا أنه لما خلق بعض الخلق بالوسائط وهم تلك الوسائط ، فأسند الخلق تشريفا إلى الوسائط أي إلى حقيقتهم التي هي الأسماء الإلهية ، فنسبة الخلق إليهم عليهم السّلام بالمجاز والتّبع ، وهذا
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 540
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٤٠
هامش
( 1 ) البحار ج 25 ص 343 . .
( 2 ) الرعد : 16 . .