مفوّض ، أو أنا مفوّض في ذلك إليكم أي أنّ ما طلبت منكم من الشفاعة واللجوء إليكم فقد فوّضتها إليكم إن شئتم فافعلوه ، وذلك لأنّ التفويض كما علمت هو الردّ إلى المفوّض إليه وجعله حاكما فيه .
فحينئذ حاصل المعنى في الجملتين أني جعلتكم حاكمين في هذه الأمور على نفسي وحوائجي كلها بمقتضى إيماني بكم وبسركم وبمقاماتكم فأنا مسلَّم ، أي لا أشكّ في هذا التفويض لعلمي أنه تعالى جعلكم مفوّضين في أمر الدنيا ، وأنا أيضا سلَّمت له تعالى في ذلك ، وجعلتكم حاكمين على نفسي وأموري كلها .
ثم إن التسليم هو الإخبات كما تقدم وترك الاعتراض على الله ورسوله صلَّى الله عليه وآله والتسليم في جميع الأمور لهم ، وقد تقدمت أحاديث التسليم في طيّ الشرح . والله ولي التوفيق .
ثم إن بعض الشارحين تعرض في المقام لمسألتين :
الأولى : لمسألة التفويض إلى النبي صلَّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السّلام . ففي الحديث أن الله تعالى فوّض إليهم أمر الأشياء أو أمر دينه ، كما سيأتي ذكره .
والثانية : لمسألة الأمر بين الأمرين لقوله عليه السّلام : " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، "
كما سيجيء ، ولم يعلم له وجه سوى أنه إذا لم يكونوا أي الأئمة عليهم السّلام ممّن قد فوض الله تعالى أمر دينه إليهم ، فلا وجه لقول الزائر : " ومفوّض في ذلك إليكم " .
فإنه حينئذ إرجاع للدين وفي الدين إلى غير أهله ، فلا بد من تحقيق المراد من كونهم عليهم السّلام ممن فوّض إليهم عليهم السّلام أمر الدين ، وأما التفويض لمسألة الأمر بين الأمرين ، فلأجل أنه لما علم أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .
فحينئذ ما معنى أنهم عليهم السّلام مفوّضون في أمر الدين ، فكيف لهم الاختيار والفعل والحكم في قباله تعالى ؟ بل هذا أحد مصاديق هذا البحث ، وإلا فالكلام يجري بالنسبة إلى جميع أفعال العباد كما لا يخفى .
وكيف كان فنحن نتعرّض لهما في الجملة تبعا لهم ولما فيه من الفوائد ، فنقول :
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 538
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٥٣٨