قلت : فهذه الثالثة لم نعرفها ، فعرّفناها كيف تكون ؟
قال : أنا أضرب لك مثلا يتصوّر لك وتعرف وجه الصواب فيه
وجرت هذه المناظرة بيني وبينه في دار بعض الرؤساء وكان ذلك الرئيس قاعدا مع قاضى البلد يتناظران في أمر بينهما وهما بحيث نراهما ، وحضر هذا المجلس معنا المعروف بأبى بكر حسين التمّار المتطبّب
فقال الملحد في باب المثل الذي أراد أن يثبت به الحركة الفلتيّه التي أبدعها :
هل ترى هذا القاضي قاعدا مع الأمير ؟
قلت : نعم
قال : أرأيت لو أنه تناول طعاما رياحيّا فتحرّكت الرياح في جوفه واشتدّت وهو يمسكها ويضبط نفسه وهو لا يرسلها حذرا من أن يكون لها وقع فيفتضح ، ثم تغلبه الرياح فتفلت منه فليست هذه حركة طبيعيّة ولا قسريّة بل هي - فلتيّة
قلت : ألست تزعم أنّ علّة الرياح التي انفلتت من القاضي هي الطعام الذي تناوله ؟
قال : نعم
قلت : إذا فيجب أن تكون لهذه الحركة الفلتيّة التي تزعم أنها حرّكت شهوة النفس علّة قد تقدّمت الحركة حتى أحدثتها في النفس كما أنّ الطعام علّة لهذه الرياح . وإذا كانت هنالك علّة قد تقدّمت فلا بدّ أن تكون قديمة مع النفس أو أحدثها محدث . فإن كانت قديمة معها فهي طبيعية ويجب أن تكون النفس أبدا متحرّكة بهذه الحركة لأنّ الطبع لا يفتر عن عمله ، ويجب أيضا أن تعدّها مع هذه الخمسة التي تزعم أنها قديمة . وإن كانت هذه الحركة محدثة فهي قسريّة ، فمن الذي أحدثها وقسر النفس عليها ؟
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 312
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٣١٢