تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
المذكور وقال « من أين أوجبتم . . . . وبها استدركت ما تدعيه » « 1 » نقول : إنّ هذا فصّ قول الشيخ أبى حاتم أحمد بن حمدان الرازي حكاية عما جرى بينه وبين محمد بن زكرياء المتطبب . ولئن كان ما أورده الشيخ في الإلزام لزاما آن لقائل من أمثال محمد بن زكرياء أن يقول : إنّ الجواب عما سألت عنه من السبب الموجب في حكمة الحكيم تخصيص أنبياء بالفضيلة وإحواج الناس إليهم والأمر الموجب في الحكمة تقديم إمام فيصدقه قوم ويكذبه آخرون ويشلى بعضهم على بعض لم يأت بعد وهو باق على حالته ، وإنّ ما أجاب به نسبا إليه ليس من قوله ولا مما يليق بمرتبته مع إمكان ابن زكرياء بالإجابة عما سأله بغير ما نسب إليه فيقول جوابا : إن الأولى بحكمة الحكيم أن يتركهم كما قد خلقهم فيدبر كل منهم أمره بما هو أصلح له على ما عليه القفص القاطنون بجبال كرمان وأمثالهم في أقاصي البلاد في الآفاق في استعمالهم فيما بينهم سننا في المناكحات والشرى والبيع والمعاملات والأخذ والإعطاء وما يجرى مجرى ذلك من الأمور التي فيها تقع المخاصمات بحفظ بعضهم من شرّ بعض فلا يقع بينهم بها خلاف . ونحن نجيب عما أهمل الشيخ أبو حاتم الجواب عنه من ذكر الموجب تخصيص الأنبياء من بين العالمين بالفضيلة وتقديمهم عليهم ردا لكلام المعاند . فنقول : إنما أوجبنا في حكمة الحكيم التخصيص لا من وجه واحد بل من وجوه . منها أنّ التخصيص أمر به تصح حكمة من يكون حكيما ، إذ الحكيم إنما يكون كذلك بكون ما يصدر عنه إلى الوجود من الأفعال التي هي أحد أقسام الحكمة ، وكل موجود منها هو غير الآخر على الغاية حبكا ونظاما وجودة صنعة وإحكاما . وتلك الأفعال - الكائنة على الغاية في الانتظام والجودة والالتئام المقتضى إياها وجوب وجودها في الحكمة - متعلق وجودها كذلك بالتخصيص الفارق بينها إما في ذاتها أو فيما به وجودها الذي لولاه لامتنع وجود الكثرة التي هي آيتها . وإنه لما كانت أفعال الحكيم لا يصح وجودها إلا بالتخصيص ويمتنع ثبوتها إلا به كان من ذلك
هامش
( 1 ) راجع من فوق ص 295 - 299 س 7
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 314 | محمد بن زكريا الرازي / بول كرواس