تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
الحكم بوجوب التخصيص من الحكيم - لوجوب التخصيص من الحكمة وكونه منها وعنها - واجبا ومنها أنّ اللّه تعالى لما كان حكيما وكان من حكمته فيما خلق أن خصّ كل جزء من أجزاء العالم الكبير الجسمانىّ المرئىّ المحسوس بأمر من الأمور لم يخصّ به غيره ، كالشمس التي هي جزء من أجزاء العالم قد خصها بالنور وفضلها على القمر والقمر على غيره من الكواكب عظما ونورا ، والنار بالإضاءة والهواء باللطافة والماء بالرطوبة والسيلان والأرض بالكثافة والجمود ، وكالنبات الموجود من هذه الأمور على اختلاف أنواعه وثماره في الحلاوة العفوصة والحموضة وغير ذلك ، وكالذهب من المعدنيات في تفضيله على الفضة والفضة على النحاس والأسرب وغير ذلك ، وكنوع البشر الذي خصه بالتعقل وشرفه على غيره من أنواع البهائم والوحوش والطيور ، وكان نوع البشر على كثرة أشخاصه من أجزاء العالم ، كان من ذلك الحكم القاطع بوجوب تخصيص من يجعله من نوع البشر نبيا ورئيسا بالفضيلة ويحوج الناس إليه كما فعل في غيره ، وهو الذي توجبه الحكمة ومنها أنّ اللّه تعالى لما خلق نوع البشر عاطلا من المعارف والمعالم خاليا منها - كما قال ربّ العالمين في كتابه الكريم
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ
شيئا - وكان حكيما وامتنع وصولهم إليه كما امتنع تشخصه لهم ليتولى هدايتهم بنفسه وجب عليه تعليمهم مضارهم ومنافعهم في عاجلهم وآجلهم باصطفاء من يجعله إماما لهم ويؤيده ليعلمهم ما يحتاجون إليه . وإذا كان واجبا عليه في الحكمة تعليمهم وحفظهم لم يجز إلا أن يعلمهم باصطفاء من يقوم مقامه فيهم ، وهو الذي توجبه الحكمة ومنها أنّ اللّه تعالى لما خلق نوع البشر محبا للرياسة والظلم والقهر ومحبة المال والجمع والتمول وغير ذلك وكان جائزا أن يقع بينهم التباغض والتعادى على حبّ الغلبة والرياسة فتتقد نار الفتن بينهم بإهلاك القوىّ منهم الضعيف على نيل المراد من مال ومحبوب وغير ذلك والأقوى من القوى القوى فيهلكوا عن آخرهم ، وجب في