قلت : أخبرني ألست تزعم أنّ النفس اشتهت أن تتجبل في هذا العالم فاضطربت في إحداثه على ما حكيت من القول فأعانها البارئ رحمة منه لها ؟
قال : نعم
قلت : فهل علم البارئ أن يلحقها في ذلك الوبال إن تجبّلت فيه ؟
قال : نعم
قلت : أليس لو لم يعاونها على إحداث هذا العالم ومنعها من التجبّل فيه كان أولى بالرحمة - لها من أن أعانها وأوقعها في هذا الوبال العظيم على زعمك ؟
قال : لم يقدر على منعها من ذلك
قلت : قد ألزمت البارئ العجز ؟
قال : لم ألزمه العجز
قلت : ألست تزعم أنه لم يقدر على منعها ؟ فقولك « لم يقدر » أليس هو عجز ؟
قال : لم أعن أنه لم يقدر لأنه عجز عن منعها ولكنّى أضرب لك مثلا تعرف منه صواب ما أوردته . إنما المثل في هذا كمثل رجل له ولد صغير يحبّه ويرحمه ويشفق عليه ويمنع منه الآفات . فتطلّع ولده هذا في بستان فرأى ما فيه من الزهر والغضارة وفي البستان شوك كثير وهوامّ تلسع والصبىّ لا يعرف ما فيه من الآفات إنما يرى الزهرة والغضارة . فتحرّكه الشهوة وتنازعه نفسه إلى الدخول إلى هذا البستان ووالده يمنعه لعلمه بما في البستان من الآفات وهو يبكى وينزع إلى ذلك جهلا منه بما يلحقه من الوبال من جهة الشوك والهوامّ .
فيرحمه والده وهو يقدر على منعه من الدخول ولكن يعلم أنه لا ينتهى حتى لا يدخله فتشوكه شوكة أو تلسعه عقرب فعند ذلك ينتهى وتزول شهوته وتستريح نفسة فيخلّيه حتى يدخله . فإذا دخله لسعته عقرب فرجع ثم لم تنازعه
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 309
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٣٠٩