نفسه بعد ذلك على العود إليه واستراح . فهكذا مثال النفس مع البارئ جل وتعالى . وهذا معنى - قولي لم يقدر على منعها ولم ألزمه العجز
قلت : وهذا أيضا منكسر من جهات
قال : كيف ؟
قلت : أليس تقول أنّ البارئ جلّ وعزّ تامّ القدرة ؟
قال : نعم
قلت : فكيف لم يعرف النفس ما ينالها من الوبال إذا تجبّلت في هذا العالم قبل أن تتجبّل فيه وهو قادر تامّ القدرة ؟ فإنّ ذلك أتمّ في الحكمة وأبلغ في الرحمة من أن ألقاها في هذا الوبال الطويل هذا الدهر المديد . فإن زعمت أنه لم يقدر أن يعرفها إلا بعد تجبّلها في هذا العالم فقد عجّزته لأن المخلوق أيضا لا يقدر أن يعرف الصبىّ إلا بعد دخول البستان . فإذا قد استوى الخالق والمخلوق في القدرة وهذا هو العجز التامّ جلّ اللّه وتعالى عن ذلك . وإن زعمت أنه قدر ولم يفعل فقد أدخلت النقص في رحمته وحكمته عزّ اللّه عن ذلك .
وينكسر أيضا من جهات أخر : ألست تزعم أنّ النفس كانت جاهلة بما يلحقها من الوبال إذا تجبّلت في هذا العالم وضربت المثل بالصبىّ والبستان ؟
قال : نعم
قلت : فقد وجدنا البستان مع وجود الصبىّ والصبىّ ينظر إليه وتحرّكه الشهوة الغريزيّة للدخول إليه . فهل كان العالم موجودا مع النفس حتى تطلّعت فيه وحرّكتها الشهوة للتجبّل فيه ؟ فإن زعمت أنّ العالم كان موجودا مع النفس فقد رجعت عن القول بحدث العالم لأنك زعمت - أنه موجود مع النفس والنفس عندك أزليّة قديمة . وإن زعمت أنّ العالم كان معدوما فمن أين عرفت النفس أنّ عالما يكون بهذه الصفة حتى اشتهت أن تتجبّل فيه والنفس جاهلة بما لها من
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 310
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٣١٠