عليك قولك بقدم المكان دون الأقطار . فإمّا أن تجعل الأقطار الستة قديمة مع المكان حتى يصير عدد الأشياء القديمة أحد عشر أو ترجع عن القول بقدم المكان
قال : قد اختلف قول الفلاسفة في الأقطار . فأنكر بعضهم أن تكون ستّة وقالوا في هذا أقوالا كثيرة
فلمّا رأيته قد فزع إلى هذا القول يريد أن يخرج إلى كلام آخر قلت : لا نبالى اختلفوا في عددها أم اتّفقوا زادوا أم نقصوا قالوا انّ أعدادها كثيرة أو قالوا هو قطر واحد . فإنّ تلك الكثيرة أو هذا الواحد هو مع هذا المكان .
فإن كان المكان قديما فإنّ القطر قديم ، وإن كان محدثا فالمكان محدث . ولا بدّ للمكان من الأقطار لأنه إن لم تكن أقطار فلامكان
قال : فإنّى أقول في المكان أيضا انه مكان مطلق ومكان مضاف . والمكان المطلق مثاله مثال الوعاء الذي يجمع أجساما ، وإن رفعت الأجسام عن الوهم لم يرتفع الوعاء كما لو أنّا رفعنا الفلك عن الوهم لم يرتفع الشئ - الذي هو فيه عن الوهم بل هو باق في الوهم ، كالدنّ الذي يفرغ من الشراب فارتفع الشراب عن الوهم ولم يرتفع الدنّ بتّة . والمكان المضاف إنما هو مضاف إلى المتمكّن ، فإذا لم يكن المتمكّن لم يكن مكان . وهذا مثل العرض الذي إذا رفعته عن الوهم ارتفع الجسم كما أنك إذا رفعت الخطّ عن الوهم ارتفع السطح عن الوهم
قلت : فإنّ السطح من الخطّ وليس مثاله مثال المكان من المتمكّن وإنما المثال كقولك الأوّل في الفلك . ولكن الأمر خلاف ما ذكرت أنك إذا رفعت الفلك عن الوهم لم يرتفع المكان عن الوهم بل يرتفع المكان بارتفاع الفلك عن الوهم . والذي قلت في باب الدنّ والشراب هو أيضا مثل الخطّ والسطح لأنّ كليهما جسمان وليس مثل المكان والمتمكّن
قال : فأوجدني للأقطار أنّيّة يشار إليها
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 306
مساهمون: محمد بن زكريا الرازي
ص٣٠٦