تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
قلت : فإنّا نعرف الزمان بحركات الأفلاك وبمرّ الأيّام والليالي وعدد السنين والأشهر وانقضاء الأوقات . فهذه قديمة مع الزمان أم محدثة ؟ قال : لا يجوز أن تكون هذه قديمة لأنّ هذه كلّها مقدّرة على حركات الفلك ومعدودة بطلوع الشمس وغروبها ، والفلك وما فيه محدث . وهذا قول - أرسطا طاليس في الزمان وقد يخالفه غيره وقالوا فيه أقاوبل مختلفة . وأنا أقول انّ الزمان زمان مطلق وزمان محصور ، فالمطلق هو المدّة والدهر وهو القديم وهو متحرّك غير لابث ، والمحصور هو الذي بحركات الأفلاك وجرى الشمس والكواكب . وإذا ميزّت هذا وتوهّمت حركة الدهر فقد توهّمت الزمان المطلق ، وهذا هو الأبد السرمد . وإن توهّمت حركة الفلك فقد توهّمت الزمان المحصور قلت : فأوجدني للزمان المطلق حقيقة نتوهّمها . فإنّا إذا رفعنا حركات الفلك ومرّ الأيّام والليالي وانقضاء الساعات عن الوهم ارتفع الزمان عن الوهم فلا نعرف له حقيقة . فأوجدني حركة الدهر الذي ذكرت أنه الزمان المطلق قال : ألا ترى كيف ينقضى أمر هذا العالم بمرّ الزمان : طف طف طف ، هو شئ لا ينقضى ولا يفنى . وهكذا حركة الدهر إذا توهّمت الزمان المطلق قلت : إنما ينقضى أمر العالم بمرّ الزمان الذي هو بحركات الفلك . والعالم محدث والفلك محدث وأنت مقرّ بذلك . والزمان من أسباب العالم فهو محدث معه ، ومرّ الزمان وانقضاؤه مع انقضاء أمر العالم كما أنّ حدوثه مع حدوثه . ولا نعرف للزمان حقيقة إلا ما ذكرنا من حركات الفلك والشمس وعدد السنين والأشهر والأيّام والساعات . فإذا رفعت هذه عن الوهم ارتفع الزمان فلا زمان كما ذكرنا . فإمّا أن تجعل هذه أيضا قديمة - مع الزمان حتى يكثر عدد الأشياء القديمة ويكون الفلك وما يدبّره داخلا في هذه الجملة فيكون من ذلك الرجوع إلى القول بقدم العالم ، أو تقرّ بأنّ الزمان محدث كما هذه محدثة ، أو توجدنى