تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الكتب ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
كل قرن ينكر بعضهم على بعض فيما اختلفوا فيه - قضاء بين عملي أن لا يقال إلا بحجة ، وأن الحق في وجه واحد واللّه أعلم . قال أبو عمر : قد ذكر الشافعي رحمه اللّه في كتاب ( أدب القضاة ) أن القاضي والمفتي لا يجوز له أن يقضي ويفتي حتى يكون عالما بالكتاب وبما قال أهل التأويل في تأويله ، وعالما بالسنن والآثار ، وعالما باختلاف العلماء ، حسن النظر ، صحيح الأود ، ورعا ، متشاورا فيما اشتبه عليه ، وهذا كله مذهب مالك وسائر فقهاء المسلمين في كل مصر يشترطون أن القاضي والمفتي المقلد لا يجوز أن يكون إلا في هذه الصفات . واختلف قول أبي حنيفة رحمه اللّه في هذا الباب فمرة قال : أما أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فآخذ بقول من شئت منهم ولا أخرج عن قول جميعهم ، وإنما يلزمني النظر في أقاويل من بعدهم من التابعين ومن دونهم . قال أبو عمر : قد جعل للصحابة في ذلك ما لم يجعل لغيرهم وأظنه مال إلى ظاهر حديث : ( أصحابي كالنجوم ) واللّه أعلم ، وإلى نحو هذا كان أحمد بن حنبل رحمه اللّه يذهب . ذكر العقيلي قال : ثنا هارون بن علي المقري ، ثنا محمد بن عبد الرحمن الصيرفي قال : ( قلت لأحمد بن حنبل : إذا اختلف أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسألة هل يجوز لنا أن ننظر في أقوالهم لنعلم مع من الصواب منهم فنتبعه ؟ فقال لي : لا يجوز النظر بين أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقلت : فكيف الوجه في ذلك ؟ فقال : تقلد أيهم أحببت ) . قال أبو عمر : ولم نر النظر فيما اختلفوا فيه خوفا من التطرق إلى النظر فيما شجر بينهم وحارب فيه بعضهم بعضا . وقد روى السمتي ، عن أبي حنيفة أنه قال في قولين للصحابة : ( أحد القولين خطأ والمأثم فيه موضوع ) . وروي عن أبي حنيفة أنه حكم في طست تمر ثم غرمه للمقضي عليه ، فلو كان لا يشك أن الذي قضى به هو الحق لما تأثم عن الحق الذي ليس عليه غيره ، ولكنه خاف أن يكون قضى عليه بقضاء أغفل فيه فضمن من حيث لا يعلم ، فتورع ، فاستحل ذلك بغرمه له ؛ لأن المال إذا