في كلام ابن أبي الحديد ، يُعتبر أيضاً من المواضيع الغامضة والقابلة للتأمّل بين المسلمين منذ القدم ، أو بعبارة أخرى إنّ هذه المسألة مطروحة بعنوان كونها قضيّة نظريّة ، لا بعنوان كونها قضيّة بديهيّة أو بدْويّة .
سؤال ابن أبي الحديد النقيب وجوابه يوضح بعض الحقائق للعامّة
يقول ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة ، ج 3 ، ص 115 ، بعد أن يورد أخباراً عن عمر دالّة على أنّ رسول الله كان يريد استخلاف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب :
سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمّد بن أبي زيد وقد قرأت عليه هذه الأخبار فقلت له : ما أراها إلا تكاد تكون دالّة على النصّ ، ولكنّي أستبعد أن يجتمع الصحابة على دفع نصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله على شخص بعينه ، كما استبعدنا من الصحابة على ردّ نصّه على الكعبة ( وتحريف قوله في القبلة وأحكام الصلاة ) وشهر رمضان وغيرهما من معالم الدين . فقال لي رحمه الله : أبيت إلّا ميلًا إلى المعتزلة !
ثمّ قال : إنّ القوم ( في السابق ) لم يكونوا يذهبون في الخلافة إلى أنّها من معالم الدين وأنّها جارية مجرى العبادات الشرعيّة ( لا تقبل التصرّف والتغيير أو التبديل ) كالصلاة والصوم ، ولكنّهم كانوا يُجرونها مجرى الأمور الدنيويّة ويذهبون لهذا مثل تأمير الأمراء وتدبير الحروب وسياسة الرعيّة ، وما كانوا يبالون في أمثال هذا من مخالفة نصوصه صلّى الله عليه وآله إذا رأوا المصلحة في غيرها ( وكانوا يقدّمون تشخيصهم في مصلحة المجتمع على أمر الرسول ويجعلون كلامه جانباً دون أن يعملوا به ) .
ألا تراه كيف نصّ على إخراج أبي بكر وعمر في جيش أسامة ولم يخرجا ، لما رأيا أنّ في مقامهما مصلحة لله وبه في بعض النسخ : للدولة . وللملّة ، وحفظاً للبيضة ، ودفعاً للفتنة ؟ ! ( واعتقدا أنّهما سيحافظان بذلك على قوّة الإسلام ويدفعان