الثاني : حمل النهي في تلك الطائفة على الكراهة الوضعية ، فإن الإضرار بالصوم قد يكون حقيقياً كالأكل والشرب ، وأخرى مسامحياً كأنه يبطل به الصوم كالارتماس ، نظراً إلى أنه يستوجب مرتبة من البطلان كمرتبة عدم القبول مثلًا ، فيحمل الإضرار في الارتماس على الإضرار ببعض مراتبه وإن كان أصل الصوم صحيحاً .
ولكن هذا أضعف من الوجه الأوّل ، إذ الكراهة الوضعية لا نتعقّل لها معنىً صحيحاً ، وهل بإمكان العرف أن يجمع بين قوله صحيح وقوله باطل ، أو بين قوله يعيد ، وقوله لا يعيد ، فإن معنى إضرار الارتماس بالصوم أن صومه باطل كما لو أكل أو شرب ، ومعنى ليس عليه قضاؤه كما في موثّقة إسحاق : إنّ صومه صحيح ، ومعه كيف يمكن الجمع بينهما ؟ وعلى الجملة فكراهة البطلان كاستحباب البطلان لا يرجع إلى محصّل ولا يساعده الفهم العرفي بوجه ، إذن لا محيص عن الإذعان باستقرار المعارضة بين هذه الموثّقة وبين النصوص المتقدّمة . وحينئذٍ فإن قلنا بأن الطائفة المانعة روايات مستفيضة مشهورة بحيث يعلم أو يطمأنّ بصدور بعضها عن الإمام ( ع ) ولو إجمالًا ، وهذه رواية شاذّة لا تنهض للمقاومة معها فتطرح بطبيعة الحال .
وإن أغمضنا عن ذلك فلا محالة تصل النوبة إلى الترجيح الذي هو منحصر في الترجيح بموافقة الكتاب أو مخالفة العامّة .
أما الكتاب فلدى عرضهما عليه لم نجد فيه شاهداً لشيء منهما . . . أما العامّة . . . فتكون الموثّقة موافقة لهم فتحمل على التقية وتطرح لأن الرشد في خلافهم ، ويكون الرجحان للطائفة المانعة ، فظهر مما ذكر أن الأقوى ما هو المشهور من مفطرية الارتماس وبطلان الصوم به ؛ للنصوص المتقدّمة السليمة عن المعارض المكافئ حسبما عرفت ) « 1 » .
هامش
( 1 ) كتاب الصوم للسيد الخوئي : ج 1 ، ص 155 - 156 .