الرواة في الصدر الأوّل وكان مجمعاً عليه عندهم فهو مما يُطمَأَنُّ بصدوره على نحو يصحّ أن يقال عرفاً أنّه مما لا ريب فيه ، ولا بأس بالتعدّي عن مثل هذه المزية إلى كلّ مزية توجب ذلك عيناً .
وبالجملة : لو كان المراد من كونها مما لا ريب فيه هو كونها كذلك بالإضافة إلى الخبر الشاذّ لكان مقتضى التعدّي عن مورد النصّ في العلّة وجوب الترجيح بكلّ مزية في الخبر توجب نفي الريب فيه بالإضافة إلى الخبر المعارض له كما ادّعاه الشيخ ، وأما إذا كان المراد من كونها مما لا ريب فيه هو كونها مما لا ريب فيه في نفسها كما هو كذلك واقعاً ، فمقتضى التعدّي عن مورد النصّ في العلّة هو وجوب الترجيح بكلّ مزية توجب نفي الريب في نفسها لا وجوب الترجيح بكلّ مزية توجب أقربيّة ذيها إلى الواقع بالإضافة إلى الخبر المعارض له « 1 » .
الوجه الثالث : التعليل بالرشد في خلافهم
و ( أن ما وافقهم فيه التقية ) ، ومن الواضح أن مثل هذه الأمور هي أمور غالبية لا دائمية ، فيدلّ - بحكم التعليل - على وجوب ترجيح كلّ ما كان معه أمارة الحق والرشد ، وترك ما فيه مظنّة خلاف الحقّ .
قال الشيخ الأنصاري معلّقاً على هذا الوجه : ( الإنصاف : أن مقتضى هذا التعليل كسابقه وجوب الترجيح بما هو أبعد عن الباطل من الآخر ، وإن لم يكن عليه أمارة المطابقة ، كما يدلّ عليه قوله ( ع ) : ( ما جاءكم عنّا من حديثين مختلفين ، فقسهما على كتاب الله وأحاديثنا ، فإن أشبهها فهو حقّ ، وإن لم يشبهها فهو باطل ) ، فإنه لا توجيه لهاتين القضيتين إلَّا ما ذكرنا : من إرادة الأبعدية عن الباطل والأقربية إليه ) « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر كفاية الأصول : ص 447 .
( 2 ) فرائد الأصول : ج 4 ، ص 77 .