تمييز الحجّة باللاحجّة خارج عن محلّ كلامنا ، لأنّ كلامنا في التعارض بين روايتين ظنّيتي السند ، لا في تعارض الرواية الظنّية السند مع القطعية السند ؛ لأنّ ذلك أمر مفروغ منه ؛ لما تقدّم من أن الدليل القطعي إذا تعارض مع الدليل الظنّي قدّم الدليل القطعي .
نعم إذا فرضنا أن المراد من الشهرة هي الشهرة الفتوائية ، أي كون الفتوى مشهورة ، كما هو الظاهر من سيرة الأعلام المتقدّمين ، لا الشهرة في نقل الرواية ، فهذا لا يوجب الاطمئنان أو القطع بصدور الرواية ، كما هو واضح .
لكنّ الظاهر من سياق المقبولة هو أن المراد من الشهرة هي الشهرة الروائية ، لا الشهرة في الفتوى والعمل على طبقها ، وذلك لأنّ صفة الشهرة نسبت إلى نفس الرواية لا إلى العمل على طبقها .
إن قيل : إذا كان المراد من الشهرة هي الشهرة في الرواية وهي توجب الاطمئنان أو القطع بصدورها ، فلماذا لم يجعلها الإمام من أوّل المرجّحات ، مع أنّا نجد أن الإمام ( ع ) ذكر الترجيح بالشهرة بعد الترجيح بصفات الراوي من الأعدلية والأوثقية ، وهذا لا يتناسب مع ما فرض من كون الترجيح بالشهرة بكونها موجبة لإسقاط إحدى الروايتين عن الحجّية ، لأنّ جعل الإمام ( ع ) الترجيح بصفات الراوي من أوّل المرجّحات يكشف عن أن الإمام ( ع ) قد فرض أن كلتا الروايتين حجّة في نفسهما ، ومن ثم رجّح إحدى الروايتين على الأخرى بصفات الراوي من الأعدلية والأورعية ونحوها ، وفرض أن كلتا الروايتين حجّة يتنافى مع قولكم أن الرواية المشهورة توجب الاطمئنان والقطع بصدورها ، الذي يؤدّي إلى سقوط الرواية الأخرى عن الحجّية ؟
الجواب : إن الترجيح بالصفات يختلف موضوعاً عن الترجيح بصفات الرواية ، لأنّ الأوّل - الترجيح بالصفات - مختصّ بترجيح أحد الحاكمين على الآخر ، وهو أمر يختلف عن الترجيح بصفات الرواية .
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 329
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٣٢٩