الحجّية لكلا الدليلين المتعارضين غير معقول ، فلابدّ أن نرفع اليد عن إطلاق الدليل اللفظي فيهما معاً ، فتثبت حجّية واحدة مشروطة بكذب الآخر ، فتثبت حجّية أحدهما ، وهي وإن كانت لا تنفع لعدم تشخيص أيهما الحجّة ، لكنها تنفع في نفي حجّية الثالث .
ولعلّ هذا الوجه هو المقصود من بيان صاحب الكفاية ؛ ولذا عبَّر عنه السيد الشهيد بأن هذا الوجه تعميق للوجه الثاني .
الأقوال في التوجيه الفني لنفي الثالث
بناء على نظرية المشهور وهي تساقط الدليلين المتعارضين تعارضاً مستقرّاً ، وقع الكلام بين الأعلام في أنه بعد سقوط الدليلين المتعارضين ، هل يمكن نفي الثالث بمقتضى مدلولهما الالتزامي ، من قبيل ما لو دلّ دليل على وجوب شيء والآخر على حرمته ، فهل يصحّ نفي الاحتمال الثالث - وهو الإباحة مثلًا - بأحدهما لا بعينه ، أو يصحّ نفيه بهما معاً بما هما حجّتان ، أو يصحّ نفيه بذات الخبرين لا بما هما حجّتان ، أو لا يصحّ نفيه بهما مطلقاً ؟
وفي المسألة أقوال ، وقد ذكر السيد الشهيد ثلاثة أوجه للاستدلال على نفي الاحتمال الثالث ، وفيما يلي نتعرّض للأقوال الأخرى في المسألة :
القول الأوّل : نفي الثالث بأحدهما غير المعيَّن
وهو الوجه الذي ذهب إليه المحقّق الخراساني كما تقدّم في الوجه الثاني في ثنايا البحث ، وتبعه على ذلك السيد الخميني ، حيث قال : ( الأقوى ما ذهب إليه المحقّق الخراساني ويظهر من شيخنا العلامة أيضاً وهو كون الحجّة على نفي الثالث أحدهما ، لأنّه مع العلم بكذب أمارة في مدلولها المطابقي لا يعقل بقاء الحجّية في مدلولها الالتزامي والمقام من قبيله ) « 1 » .
هامش
( 1 ) الرسائل : ج 2 ، ص 41 .