فيما إذا لم نعلم بصدق أحدهما ، أم لا يمكن ذلك ؟ ذهب المشهور إلى إمكان ذلك ، وقد أفيد في تخريجه ثلاثة أوجه :
الوجه الأوّل ، للمحقّق النائيني : أن الدلالة الالتزامية فرع الدلالة المطابقية في الوجود ، لا في الحجّية . وعليه فإذا سقط الدليلان عن الحجّية بالنسبة إلى مؤدّاهما المطابقي للمعارضة ، لا يلزم سقوطهما عن الحجّية بالنسبة إلى مدلولهما الالتزامي - أي نفي الثالث - لعدم المعارضة بينهما في نفيه .
ناقش السيد الشهيد الوجه الأوّل ؛ لأنّ الصحيح تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجّية .
الوجه الثاني ، للمحقّق الخراساني : أن دليل الحجّية يقول أن أحدهما غير المعيّن حجّة ، فالخبر الأوّل مثلًا معلوم الكذب ، والآخر غير معلوم الكذب ، وغير معلوم الكذب يشمله دليل الحجّية ، وإذا كان حجّة سوف ينفي الثالث ، وثمرة ذلك هو أن مدلولها الالتزامي يكون حجّة ، وبه ينفى الثالث .
ناقش السيد الشهيد الوجه الثاني بأن دليل وجوب صلاة الجمعة ودليل حرمة الجمعة ، لا يخلو من أحد احتمالين : وهما إما نعلم بصدق أحدهما ، وإما لا نقطع بصدق أحدهما ، فيمكن أن يكون كلاهما كاذبين . فإن كنّا نقطع بصدق أحدهما ، فهذا يكفي لنفي الاحتمال الثالث ، وإن كنا نحتمل كذبهما معاً ، ولا نقطع بصدق أحدهما ، ففي هذه الحالة يقال : لو كانا كلاهما كاذبين واقعاً ، فلا معنى أن يكون أحدهما حجّة دون الآخر ، لأنّهما كاذبان واقعاً بحسب الفرض .
الوجه الثالث : هو ما ذهب إليه المصنّف : أن دليل الحجّية لمّا كان دليلًا لفظياً ، فهو مطلق يشمل كلا الدليلين المتعارضين ، وحيث إنّ شمول دليل الحجّية لكلا الدليلين المتعارضين غير معقول ، فلابدّ أن نرفع اليد عن إطلاق الدليل اللفظي فيهما معاً ، فتثبت حجّية واحدة مشروطة بكذب الآخر ، وهي وإن كانت لا تنفع لعدم تشخيص أيهما الحجّة ، لكنها تنفع في نفي حجّية الثالث .
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 206
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٢٠٦