وتارةً يكون النظر بلسان التصرّف في محمول القضية ، كما لو قال المولى : لا ضرر في الإسلام ، أي : لا حكم يؤدّي إلى الضرر ، فإن هذا الكلام من المولى ناظر إجمالًا إلى الأحكام الثابتة في الشريعة وينفي وجودها في حالة الضرر ، فيكون قرينة على أن المراد بأدلّة الأحكام الشرعية هو تشريعها في غير حالة الضرر .
النحو الثاني : الإعداد العرفيّ النوعيّ : بمعنى أن المتكلّم العرفي استقرّ بناؤه على أنه كلّما تكلّم بكلامين من هذا القبيل أن يجعل من أحدهما المعيّن قرينة على الآخر ، وحيث إنّ الأصل في كلّ متكلّم أنّه يجري وفق الضوابط العرفية للمحاورة ، فيكون ظاهر حاله هو ذلك ، فيكون الظهور للكلام الآخر ظهوراً نوعيّاً للكلام الأوّل ، من دون أن يكون لتفسير شخص المتكلّم أيّ تأثير ، سوى أنه واحد من العرف .
ومن حالات الإعداد العرفيّ النوعيّ إعداد الكلام الأخصّ موضوعاً ليكون قرينة ومحدّداً لمفاد الكلام الأعمّ موضوعاً ، حيث يعتبر الخاصّ مفسّراً للعامّ بنظر العرف ، دون أن يكون للمتكلّم أيّ تأثير في تفسير العرف سوى أنه واحد منهم ، ومن هنا تعيّن تخصيص العامّ بالخاصّ وتقييد المطلق بالمقيّد ، بل تقديم كلّ ظاهر على ما هو أقلّ منه ظهوراً بدرجة ملحوظة وواضحة عرفاً ؛ لوجود بناءات عرفية عامّة على أن المتكلّم يعتمد على الكلام الأخصّ والأظهر في تفسير العامّ والظاهر .
3 . القرينة المتّصلة تهدم الظهور التصديقي والمنفصلة تهدم الحجّية
لكي تتّضح هذه النقطة لابدّ من تقديم مقدّمة ، تقدّم الكلام عنها في القسم الأوّل من الحلقة الثالثة ، وهي أن لكلّ كلام ظهورين :
الأوّل : الظهور التصوّري ، وهو انسباق المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ ، الذي يعبَّر عنه بالدلالة التصوّرية ، فإذا سمع لفظ ( أسد ) مثلًا تصوّر الذهن معناها وهو الحيوان المفترس ، حتى لو فرض صدورها من اصطكاك حجرين