ففي مثل خطاب ( حجّ البيت ) و ( لا تحجّ ) أو ( صلّ ) و ( لا تصلّ ) يكون التنافي في مرحلة الجعل ، أما إذا لم يكن تنافٍ في مرحلة الجعل ، بل كان بين المجعولين أو بين الامتثالين ، فلا يرتبط هذا التنافي بمدلول الدليل ؛ لما تقدّم من أن فعلية المجعول - فضلًا عن مقام امتثاله - ليست مدلولةً للدليل ، فلا يحصل التعارض بين الدليلين ؛ لعدم التنافي بين مدلوليهما ، كما في خطاب ( توضّأ إن وجد الماء ) و ( تيمّم إن فقد الماء ) أو خطاب ( أنقذ هذا الغريق ) و ( أنقذ ذاك الغريق ) ، فلا يدخلان في باب التعارض ؛ لعدم وجود تنافٍ بين الخطابين في مرحلة الجعل .
عدم التعارض بين الأصلين
يمكن تصوير ثلاث صور من التعارض :
الصورة الأولى : التعارض بين دليلين اجتهاديين ، كالتعارض بين الخبرين .
الصورة الثانية : التعارض بين أصلين عمليين ، كالتعارض بين أصل البراءة والاستصحاب ، فلو شككنا في وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة ، فأصل البراءة يقتضي عدم الوجوب ، أما الاستصحاب فيقتضي بقاء الوجوب الثابت في عصر ما قبل زمن الغيبة .
الصورة الثالثة : التعارض بين الأصل العملي وبين الدليل الاجتهادي ، كالتعارض بين البراءة والخبر الدالّ على الحرمة مثلًا .
إذا تبيّن ذلك نقول : إن التعارض المصطلح لا يتحقّق إلا في الصورة الأولى وهي التعارض بين الدليلين المحرزين ؛ لتحقّق التنافي بينهما في مقام الجعل .
أما الصورة الثانية وهي الأصول العملية ، فلا يوجد تعارض بينهما ، ففي مثال استصحاب بقاء وجوب صلاة الجمعة وأصل البراءة عن ذلك الوجوب ، لم نجد تعارضاً بينهما ؛ لأنّ التعارض يتحقّق بين الدليلين اللذين يكشفان الجعل ، ومن الواضح أن الأصول العملية - كالاستصحاب والبراءة - ليس