لهما كاشفية عن الجعل ، بل كلّ واحد منهما جعل بنفسه ، لأنّ معنى البراءة هو عدم وجوب المشكوك ، وهذا بنفسه جعل شرعي وليس دليلًا على الجعل الشرعي ، وهكذا الأمر بالنسبة للاستصحاب فإنه جعل بنفسه ، إذ الاستصحاب هو وجوب إبقاء الحالة السابقة ، وهذا الوجوب بنفسه حكم شرعي .
بعبارة أخرى : إن الأصل العملي ليس له مدلول ) ومحكيٌّ ليحصل التنافي بلحاظ مدلوليهما أو دلالتهما ، وإنما للأصل معلول وأثر على فرض الوصول وهو المنجّزية والمعذّرية ، فلا دلالة له على نفي الأصل الآخر ( « 1 » .
وأما في الصورة الثالثة وهي حالة التنافي بين الدليل الاجتهادي وبين الأصل العملي ، كتعارض الخبر الدالّ على الحرمة مع البراءة عن الحرمة ، فكذلك لا يوجد تعارض بينهما ؛ لما تقدّم من أن الأصل لا يكشف عن الجعل الكلّي لكي يحصل التنافي بينه وبين الدليل الاجتهادي .
فالأصل العلمي كالبراءة ليس له مدلول ومحكيّ ينافي مدلول الخبر ، نعم التنافي في الحقيقة بين ثبوت التعذير الذي هو أثر للأصل وبين ثبوت التنجيز الذي هو أثر الدليل الاجتهادي ، حيث يستحيل صدقهما معاً ، فيكون التعارض : بين ما يدلّ على ذلك التعذير أي دليل الأصل وبين حجّية الدليل المحرز .
عدم التعارض بين القطعيين والقطعي والظني
إن الدليلين المحرزين إذا كانا قطعيين ، فلا يعقل التعارض بينهما ؛ لأنّه يؤدّي إلى القطع بتحقّق المتنافيين وهو محال .
ولا يخفى أن المقصود من الدليلين القطعيين ما كانا قطعيين من حيث الدلالة والسند ، فلو كان أحدهما قطعيّ الدلالة دون السند ، أو بالعكس ، فلا يكون دليلًا قطعياً . أما عدم تحقّق تعارض الدليل القطعي مع الدليل الظنّي ؛
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول : ج 7 ، ص 24 .