ولكن المجعولين لا يمكن فعليّتهما معاً ؛ لأنّ المكلّف إن كان واجداً للماء ثبت المجعول الأوّل وهو الوضوء ، وإن لم يوجد الماء ثبت المجعول الثاني وهو التيمّم ، ولا يمكن ثبوت المجعولين معاً على مكلّف واحد في حالة واحدة .
وفي هذه الصورة يدخل الدليلان في باب الورود .
الصورة الثالثة : التنافي بين الحكمين في مرحلة الامتثال ، أي أنه لا يوجد تنافٍ بين الجعلين ولا بين المجعولين ، ولكن يحصل التنافي في مرحلة امتثال الحكمين المجعولين ، بمعنى أن المكلّف لا يمكنه امتثالهما معاً ، كما في حالات الأمر بالضدّين على وجه الترتّب بنحو يكون الأمر بكلّ من الضدّين مثلًا مقيّداً بترك الضدّ الآخر ، فبالإمكان صدور جعلين لهذين الأمرين معاً ، كما أنه بالإمكان أن يصبح مجعولاهما فعليين معاً ؛ وذلك فيما إذا ترك المكلّف كلا الضدّين ، فيكون كلّ من المجعولين ثابتاً لتحقّق قيده ، ولكن التنافي واقع بين امتثالهما ؛ إذ لا يمكن للمكلّف أن يمتثلهما معاً ، من قبيل ما لو ورد الأمر بإنقاذ الغريق ، ثم بعدها ابتلي بغريقين ، لكن المكلّف لا يمكنه امتثالهما معاً ، فيكون إنقاذ كلّ واحد منافياً وضدّاً لإنقاذ الآخر ، وتسمّى هذه الصورة بالتزاحم .
مما تقدّم يتحصّل أن التنافي وعدم إمكان الاجتماع تارة بين نفس الجعلين ، وأخرى بين المجعولين ، وثالثة بين الامتثالين .
وبعد بيان هاتين المقدّمتين يتّضح أن التعارض بالمعنى المصطلح « 1 » هو التنافي بين الدليلين في مرحلة الجعل والإنشاء .
وحيث إنّ مدلول الدليل هو الجعل والتشريع ، فيكون التعارض تارة بأنه التنافي بين مدلولي الدليلين بلحاظ جعل الدليلين ، وتارة أخرى هو التنافي بين الدليلين بلحاظ مدلوليهما ومجعولهما .
هامش
( 1 ) سيأتي في التعليق على النصّ التعرّض لأقوال الأعلام في تعريف التعارض .