الثانوية ، أي حكم المتعارضين في ضوء الأخبار العلاجية ، والتي تدلّ إما على التخيير بين المتعارضين وإما على لزوم الأخذ بما يشتمل على المرجّح . وسنبدأ في هذا المقطع ببيان النقطة الأولى ، أي مصطلح التعارض . ولكي يتّضح هذا المصطلح ، ينبغي التعرّض للمقدّمات التالية :
المقدّمة الأولى : انحلال الحكم إلى جعل ومجعول
تقدّم في مطاوي الأبحاث السابقة أن الحكم ينحلّ إلى جعل ومجعول ، وأن الجعل ثابت بتشريع المولى للحكم ، أما المجعول فهو لا يثبت إلا عند تحقّق موضوعه وقيوده خارجاً ، ومن الواضح أن الدليل الشرعي اللفظي متكفّل لبيان الجعل لا لبيان المجعول ، لأنّ المجعول يختلف من فرد إلى آخر ، فهو موجود في حقّ هذا وغير موجود في حقّ ذاك ؛ لتواجد القيود ، فقوله مثلًا :
لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
( آل عمران : 97 ) ، مدلوله جعل وجوب الحجّ على المستطيع ، لا تحقّق الوجوب المجعول ، لأنّ هذا - الوجوب المجعول - تابع لوجود الاستطاعة ، ولا نظر للمولى إلى ذلك ، فمدلول الدليل دائماً هو الجعل لا المجعول .
المقدّمة الثانية : صور التنافي بين الحكمين
يمكن بيان التنافي بين الحكمين بثلاث صور :
الصورة الأولى : التنافي بين الحكمين في مرحلة الجعل أي مرحلة إنشاء وتشريع الحكم ، كما لو كان أحد الدليلين يأمر بوجوب الحجّ ، والدليل الآخر ينهى عنه ، فالتنافي هنا بين الجعلين ؛ لأنّ الأحكام التكليفية متضادّة كما تقدّم .
الصورة الثانية : التنافي بين الحكمين في مرحلة المجعول والفعلية ، من قبيل جعل المولى وجوب الوضوء على الواجد للماء ، وجعل وجوب التيمّم على الفاقد له ، فهنا لا يوجد تنافٍ بين الجعلين ؛ إذ يمكن صدورهما معاً من الشارع ،