وقد يكون منشؤه الاطمئنان بالبقاء أو الظنّ به ، وذلك كالتاجر الذي يرسل البضائع إلى تاجر في بلدة أخرى ، فإنه وإن لم يتفحّص عن بقائه كلّ مرّة ، ولكنه مطمئن بحياته ، ولذا يرسلها إليه بحيث لو علم بموت جماعة من أهل تلك البلدة ، واحتمل كون وكيله منهم ، لم يرسل الأموال الخطيرة إليه قطعاً ؛ لزوال اطمئنانه ، بل ظنّه بالبقاء .
وقد يكون منشؤه الغفلة عن شكّه الفعلي في بقاء ما كان ، كما إذا غيّر مسكنه وغفل عنه ، فإنه قد يسلك الطريق المنتهي إلى داره الأولى . وهذا في الحيوانات أظهر لأجل عادتها الحاصلة من تكرار الفعل السابق ، ومع تبدّل عادتها لا ترجع إلى محلّها الأوّل إلّا لأجل الغفلة . وعليه فليس من ارتكازيات العقلاء العمل تعبّداً بالمتيقّن السابق في ظرف الشكّ في بقائه كي يتّجه الاستدلال به على اعتبار الاستصحاب » « 1 » .
ولكنّ المحقّق الأصفهاني أجاب صاحب الكفاية بما حاصله : « ربما يتخيّل أن بناء العقلاء إنما هو من جهة القوة العاقلة الموجودة فيهم ، وحكم العقل من دون إدراك الشيء - ولو ظنّاً - بالبقاء مما لا يعقل وهو توهّم فاسد ؛ إذ فيه :
أوّلًا : إن بناء العقلاء عملًا على الجري على طبق الحالة السابقة ، لا دخل له بحكمهم بالبقاء بمعنى إذعانهم فإنه الذي لا يعقل إلّا أن يكون قطعاً أو ظنّاً ، دون البناء العملي .
وثانياً : إن الباعث لهم على البناء العملي لا ينحصر في الظنّ بالبقاء ، بل يمكن أن تكون الحكمة الداعية لهم التحفّظ على المقتضيات الواقعية ، المتعلّقة بها الأغراض العقلائية » « 2 » .
هامش
( 1 ) منتهى الدراية في شرح الكفاية : ج 7 ، ص 56 .
( 2 ) نهاية الدراية : ج 5 ، ص 28 .