ومن الواضح من كلامه أنه لا ينفي وقوع الاستصحاب في الأحكام التكليفية ، لكنه يُرجع الاستصحاب في الأحكام التكلفية إلى الاستصحاب في الأحكام الوضعية ، وهذا ما ذكره بقوله : « ووقوعه في الأحكام الخمسة إنما هو بتبعيتها ، كما يقال في الماء الكرّ المتغيّر بالنجاسة ، إذا زال تغيّره من قبل نفسه : بأنه يجب الاجتناب عنه في الصلاة ، لوجوبه قبل زوال تغيّره ، فإن مرجعه إلى : أن النجاسة كانت ثابتة قبل زوال تغيّره ، فتكون كذلك بعده ، ويقال في المتيمّم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة : إن صلاته كانت صحيحة قبل الوجدان ، فكذا بعده ، أي : كان مكلّفاً ومأموراً بالصلاة بتيمّمه قبله ، فكذا بعده ، فإن مرجعه إلى : أنه كان متطهّراً قبل وجدان الماء ، فكذا بعده ، والطهارة من الشروط » « 1 » .
وهناك أقوال أخرى أعرضنا عنها مراعاة للاختصار .
المقدّمة الرابعة : التمييز بين الاستصحاب وغيره من القواعد
وهذه المقدّمة تقدّم تفصيلها أيضاً في الحلقة الثانية ، حيث ذكر المصنّف أن هنالك قواعد مزعومة تشابه الاستصحاب ، ولكنها تختلف عنه في حقيقتها ومن هذه القواعد :
1 . قاعدة الاستصحاب القهقرائي
يدعى هذا الاستصحاب في اللغة بأصالة الثبات « 2 » ويتمسّكون به في باب الظهورات ، وهو أصل عقلائيّ يقوم على أساس الأمارية والكشف ، من قبيل ما يتمسّك به العقلاء لإثبات اللغة ، حيث إنّ العقلاء لم يروا بأمّ أعينهم تغيّر اللغة إلّا نادراً ؛ لكون تغيّرها في غاية البطء ، وهذا بخلاف تغيّر ظواهر كثيرة في العالم ، كالحياة والموت والصحّة والمرض ونحوها ؛ ولهذا يكون ثبوت معنى
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ص 202 - 203 .
( 2 ) بحوث في علم الأصول : ج 6 ، ص 14 .