الرواية بغير موردها مستهجن عرفاً ، فيكون ذلك قرينة على أن المراد من الشيء أعمّ من العامّ الأفرادي والمجموعي ، فإذن لا تنافي بين الرواية وموردها .
مضافاً إلى أن مدخولها - وهو الضمير - لا يصلح أن يكون بياناً للشيء ، لأن الضمير مبهم ، وأما معنى كونها بمعنى الباء ، فالذي يوهمه أن الاتيان لا يتعدّى بنفسه ، وإنما يتعدّى بالباء ، ولكن الأمر ليس كذلك ، إذ الإتيان قد يتعدّى بنفسه كقوله تعالى
وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
( الأحزاب : 18 ) وقد يتعدّى بالباء ، كقوله تعالى :
يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
( النساء : 19 ) ، حيث قال :
( لا يخفى عليك أن كلمة " من " إما تبعيضية أو بيانية أو بمعنى الباء ، ولفظ " بشيء " إما أن يراد منه المركّب أو العامّ أو الكلّي . وكلمة " ما " في قوله عليهما السلام ما استطعتم ، أن يراد منها الموصولة أو المصدرية الزمانية . ولا ريب أنه لا معنى لكون كلمة " من " بيانية ؛ لأن مدخولها الضمير ولا يمكن أن يكون بياناً لشيء ، كيف وهو مبهم ؟ وكونها بمعنى الباء غير متعيّن ؛ لأنّ الإتيان يتعدّى بنفسه تارة ، وبالباء أخرى . فمن الأوّل قوله تعالى :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ
، وقوله تعالى :
وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
ومن الثاني قوله تعالى :
يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
، ولفظ الشيء لا يكنّى به عن المتعدّد بل عن الواحد ، وإنّما يكنّى عن المتعدّد بأشياء فيدور الأمر بين الكلّي الذي له وحدة جنسية أو نوعية أو صنفية أو المركب الذي له وحدة اعتبارية ، وحيث إن التبعيض لا يلائم الكلّي ؛ إذ الفرد ليس بعض الكلّي بل مصداقه ، فلا محالة يراد منه المركّب الذي له أجزاء ، كما أنّ كلمة " ما " ظاهرة في الموصول دون المصدرية الزمانية فيكون مفعولًا لقوله ( ع ) " فائتوا " . فالمراد : إذا أمرتكم بمركّب ذي أجزاء ، فائتوا ما تستطيعونه منه ، لا : فائتوا به مدّة استطاعتكم ) « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر نهاية الدراية : ج 2 ، ص 702 .