والأكثر ، فتأتّي تلك الماهية التي هي بالقوة - أعني الحيوان - في العهدة قطعيّ ، وتأتّي مقدار زائد عليه فيها - وهو الفصل - مشكوك » « 1 » .
وأمّا الحالة الثانية ( التغاير بين المفهومين في ذات الملحوظ ) فالتباين بين المفهومين ثابت في ذات الملحوظ لا في كيفية لحاظهما ، لأنّ التباين بين مفهوم الإكرام ومفهوم الإطعام حاصل في ذاتيهما ، ومن هنا يكون الدوران فيهما بين متباينين ، وليس بين الأقلّ والأكثر ، لأنّ الذي يدخل في العهدة والذمّة : إمّا مفهوم الإطعام وإمّا مفهوم الإكرام ، وحيث إنّهما مفهومان متباينان في ذات الملحوظ ، فلابدّ أن يكون العلم الإجمالي بينهما ثابتاً ومنجّزاً ، وإن كان بينهما في الخارج عموم وخصوص ، لأنّ الإتيان بأحدهما ( الإطعام ) يساوق الإتيان بالآخر ، لكونه ( أي الإطعام ) أخصّ من سائر أفراد الإكرام .
وبهذا يتّضح أن الحكم في الحالة الثانية هو تنجيز العلم الإجمالي وعدم إمكان جريان البراءة .
الصحيح جريان البراءة في الحالة الثانية
إن ما تقدّم آنفاً في الحالة الثانية ( من أن الواجب إذا دار بين مفهومين متغايرين ذاتاً ، كالعلم إمّا بوجوب إكرام زيد كيفما اتّفق أو بوجوب إطعامه ، ثبت التغاير بين الملحوظين ، وتكون هذه الحالة من الدروان بين المتباينين ومن ثم يجب الاحتياط ) غير تامّ ، بل الصحيح أنّه تجري البراءة عن أخصّ العنوانين ( وجوب الإطعام ) ولا تعارضها البراءة عن العنوان الأعمّ ( وجوب الإكرام ) .
والدليل على ذلك هو أن البراءة عن وجوب الأكثر ( وجوب الإطعام ) ليس لها دور معقول لكي تصلح للمعارضة ، مع الطرف الآخر وهو وجوب الأقلّ ( أي وجوب الإكرام كيفما اتّفق ) لأنّه إن أُريد بإجراء البراءة للتأمين بها
هامش
( 1 ) مباحث الأصول : ج 4 ، ق 2 ، ص 354 .