تساقط الأصول كما تقدّم مراراً . والتساقط إنما يكون مع العلم بالتكليف الفعلي ، سواء كان العلم متعلّقاً بالتكليف الفعلي ابتداء - كما في الشبهات الحكمية ، كما إذا علم بوجوب صلاة الجمعة أو الظهر يوم الجمعة - أو كان متعلّقاً بالموضوع التامّ للحكم كما في الشبهات الموضوعية ، كما إذا علم بخمرية أحد المائعين مثلًا ، وأما إذا لم يعلم إلا الموضوع الناقص أي جزء الموضوع ، فلا مانع من جريان الأصل والحكم بعدم تحقّق الموضوع التامّ ، كما إذا علم بكون أحد الجسدين ميت إنسان ، والآخر جسد حيوان مذكّى مأكول اللحم ، فإن هذا العلم الإجمالي وإن كان يقتضي وجوب الاجتناب عن أكل لحم كلّ من الجسدين ، إلا أنه إذا مسّ شخص أحدهما لا يحكم عليه بوجوب الغسل ، لأن المعلوم بالإجمال وهو بدن ميت الإنسان جزء للموضوع ، للحكم بوجوب الغسل ، وتمامه مسّ بدن الإنسان ، وهو مشكوك التحقّق والأصل عدمه .
والوجه في ذلك أن العلم الإجمالي إذا تعلّق بثبوت التكليف الفعلي فالشكّ في كلّ واحد من الأطراف إنما يكون شكّاً في انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، ومعه لا يمكن الرجوع إلى الأصل النافي في جميع الأطراف ؛ لاستلزامه الترخيص في المعصية ومخالفة التكليف الواصل ، ولا في بعضها لبطلان الترجيح بلا مرجّح على ما تقدّم بيانه مفصلًا . وأما إن كان الشك في تمامية الموضوع ، كما في المثال الذي ذكرناه ، فمرجعه إلى الشكّ في أصل التكليف ، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه » « 1 » .
ولعلّ السرّ فيه أنّه إذا تعلّق العلم الإجمالي بالحكم الفعلي يكون الشكّ في كل من الأطراف شكّاً في انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، فلا يكون مجرى للبراءة ، وأما إذا تعلّق بما هو جزء الموضوع وكان الشكّ في تمامية الموضوع ، فلا محالة
هامش
( 1 ) مصباح الأصول : ج 2 ، ص 406 .