الحكم سابق على الاضطرار ، أمّا العلم بالحكم ، فهو لاحق على الاضطرار . فهل تلحق هذه الحالة بالحالة الأولى في عدم التنجيز أم بالحالة الثانية في التنجيز ؟
الصحيح في هذه الحالة هو عدم تنجيز العلم الإجمالي ، لكن ليس لأجل اختلال الركن الأوّل ، كما في الحالة الأولى ؛ لأن الركن الأوّل - وهو العلم بجامع التكليف الفعلي - موجود ؛ لأن الحرمة ثابتة قبل حصول الاضطرار بحسب الفرض ، وإن كان العلم بالحرمة متأخّراً عن الاضطرار ، لكن العلم بالحرمة لا مدخلية له في فعليّة الحرمة ، وإنما له مدخلية في فعليّة الحكم ، كما هو واضح ، بل لاختلال الركن الثالث ، أي تعارض الأصول ، بمعنى أنه لا تعارض بين الأصول المؤمّنة في أطراف العلم الإجمالي كي يكون منجّزاً لأطرافه ؛ لما تقدّم من أن الأصل المؤمّن لو لم يجر في أحد الطرفين لسبب أو لآخر ، جرى في الطرف الآخر بلا محذور ، وفي المقام حيث إنّ ما اضطر إلى تناوله من الطعامين قد انتهى أمده ولا أثر لجريان البراءة عنه فعلًا ، وصار المكلّف قاطعاً بحلّيته ، فتجري البراءة في الطرف الآخر بلا معارض .
إن قيل : لِمَ لا تكون هذه الحالة من مسألة دوران الأمر بين الفرد القصير والطويل ؟
الجواب : إن الاضطرار في هذه الحالة حصل قبل العلم الإجمالي ، وعليه فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً ، لعدم تعارض الأطراف الذي هو شرط لمنجّزية العلم الإجمالي ، وإذا لم تتعارض الأطراف فسوف تجري البراءة في الطرف الآخر بلا معارض ، لأن تعارض الأطراف في العلم الإجمالي إنما يحصل بعد تحقّق العلم الإجمالي لا قبله ، فالسبب في عدم إلحاق هذه الحالة بمسألة دوران الأمر بين الفرد القصير والطويل هو كون حصول الاضطرار قبل العلم الإجمالي مما يمنع من تعارض الأطراف .
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 197
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص١٩٧