فلو كان النجس في الواقع هو الطعام المضطر إليه ، فهو ليس حراماً ؛ لانتفاء أحد أجزاء موضوع الحرمة وهو عدم الاضطرار ، لأن الحكم ينتفي بانتفاء أحد أجزاء موضوعه ، كما هو واضح ، وحيث إنّ المكلّف يحتمل أن النجس المعلوم هو الطعام المضطر إليه بالذات ، فلا يكون له علم بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير ؛ لأنه إن كان الطعام المضطر إليه هو النجس واقعاً ، فلا توجد حرمة قطعاً ؛ لأن الاضطرار مسقط للتكليف ، وإن كان الطعام المضطر إليه ليس هو النجس واقعاً ، فلا حرمة أيضاً ، وعلى هذا لا يكون المكلّف له علم بحرمة الطعام الآخر غير المضطر إليه على كلّ تقدير ، وإنما يكون له علم بالحرمة على تقدير أن يكون النجس هو الطعام غير المضطر ، وتقدّم أن من أركان العلم الإجمالي العلم بالجامع على كلّ تقدير ، وفي المقام لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً على كلّ تقدير ، بل يكون منجّزاً على تقدير أن يكون النجس هو الطرف الآخر غير المضطر إليه ، وعلى هذا يكون الطعام غير المضطر إليه مشكوك الحرمة ، فتجري فيه الأصول المؤمّنة ، بدون معارض .
وبهذا يتّضح أن أصالة البراءة أو غيرها من الأصول المؤمّنة تجري في الطعام غير المضطر إليه بلا معارض ، ومن ثمّ يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية .
تنبيه : هناك حالة أخرى تابعة للحالة الأولى وهي إذا حصل الاضطرار إلى واحد معيَّن مقارناً للعلم الإجمالي ، كما لو أصاب النجس أحد الإناءَين في الساعة الأولى ، وحصل العلم بذلك في الساعة الثانية مقارناً للاضطرار إلى شرب أحدهما المعيّن . فإن العلم الإجمالي في هذه الحالة غير منجّز ، فلا يجب الاجتناب عن غير ما اضطر إليه ؛ لمانعية الاضطرار المقارن لتنجيز العلم الإجمالي .
وقد أشار السيد الشهيد قدس سرة إلى دخول هذه الحالة في الحالة الأولى في المتن بقوله : « ولكن هذا على شرط أن لا يكون الاضطرار متأخّراً عن العلم الإجمالي » فاشترط عدم التأخّر فقط في التنجيز ؛ مما يعني أن الاضطرار سواء
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 195
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص١٩٥