أيضاً النصف ، حينئذٍ : سوف يزداد احتمال الصدق ، وهكذا إذا أخبرنا شخص ثالث نفس الخبر ، فيتضاءل احتمال كذب المجموع إلى أن تحصل درجة عالية جدّاً بحسب الاحتمالات لصدق هذا القضيّة ، وهكذا حتّى توشك أن تصبح يقيناً ، وإن بقي كسر رياضيّ بالنسبة للكذب ، لكنّه ضئيل جدّاً ، وهو عبارة عن ضعف احتمال الكذب ، وهكذا . وعبر قوانين معيّنة في حساب الاحتمالات يتحوّل هذا الكسر الضئيل إلى حجمٍ أصغر حتّى تصبح القضية يقينية .
ولكن مع هذا فنحن لسنا بحاجة إلّا إلى الوجدان ؛ إذ بحسب الوجدان ينطفئ الاحتمال الضئيل ، إذن فاستنتاج القضيّة من التواتر يخضع لحساب الاحتمالات . ونفس الشيء وروحه نقوله في الإجماع ، فنطبّق نفس الفكرة في المقام » « 1 » .
بعبارة أخرى : إنّنا وإن قبلنا أنّ التواتر يوصلنا إلى صدق الخبر ، ولكن لا نقبل الملازمة التي يدّعيها المنطق الأرسطي من أنّه : إذا كان الخبر متواتراً فيثبت صدق الخبر ويستحيل أن لا يكون الخبر صادقاً ، ونحن نقبل اليقين الأوّل وهو صدق الخبر ولكن ننكر الاستحالة ، بل يمكن من الناحية العقلية أن لا يكون صادقاً . أمّا المنطق الأرسطي فإنّه لا يقبل بإمكان الكذب ؛ لأنّه يعتقد بامتناع تواطئهم على الكذب . فإذا كنّا في التواتر لا نقبل الملازمة المنطقية العقلية فمن باب أولى لا نقبلها بين الإجماع وبين الحكم الشرعي .
فإن قلتَ : ماذا تقبلون في التواتر ؟
قلتُ : نقبل الاستقراء ، ومن هنا لا نقبل الملازمة التي يدّعيها المنطق الأرسطي ، ونفس الكلام نقوله في الإجماع ، على فوارق يأتي ذكرها .
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ( عبد الساتر ) ، مصدر سابق : ج 9 ، ص 432 . .