كيفية كاشفية الإجماع عن وجود المستند
تعتمد نظرية كاشفية الإجماع عن وجود المستند على ما يسمّى قديماً بتراكم الظنون وحديثاً بنظرية حساب الاحتمالات ، بتقريب : « لو أنّ فقيهاً بصيراً جدّاً ملتفتاً إلى الروايات والنكات أفتى بفتوى ، وكنّا نحتمل خطأه احتمالًا كبيراً فوق النصف ، ثمّ جاء فقيه آخر وأفتى نفس الفتوى ، فهنا احتمال الخطأ يضعف ، فإذا تكاثر الفقهاء الذين أفتوا بنفس الفتوى ، فسوف يصل احتمال الخطأ إلى درجة ضئيلة جدّاً بحيث يحصل اطمئنان شخصيّ بالحكم ، فإذا بلغ عدد القائلين بنفس الفتوى حدّاً بحيث لا يكاد يبين احتمال الخطأ بعد ، بل تحوّل عبر قوانين رياضيّة - ذكرت في الأسس المنطقيّة - إلى يقين قويّ خالص من شوب أيّ احتمال للخطأ ، حينئذٍ : يكون هذا الحكم حجّة في مقام العمل » « 1 » .
إذن الحديث عن الإجماع وفق منطق حساب الاحتمال يشبه إلى حدٍّ كبير الحديث في الخبر المتواتر ، من جهة اشتراك الإجماع والتواتر في طريقة إثباتهما بحساب الاحتمال ، فكما أنّ إخبار المخبر يشكّل درجةً وكسراً من اليقين وبإخبار مخبر ثانٍ يقوى احتمال الموافقة ويضعف احتمال المخالفة ، وهكذا بإخبار مخبر ثالث ورابع . . . فكذلك الحال في الإجماع .
نعم ، هناك فرق بين التواتر وبين الإجماع في إفادتهما اليقين بحساب الاحتمال ، وهذا الفرق يتلخّص في أنّ مفردات التواتر إخبارات حسّية تعتمد على المدارك الحسية ، بينما مفردات الإجماع إخبارات حدسية يعتمد فيها الناقل على النظر والاجتهاد . وبالتالي فإنّ التواتر يزيد من قوة الاحتمال بشكل أسرع ممّا في الإجماع ؛ باعتبار أنّ القضية المتواترة قضية محسوسة ، أمّا القضية الإجماعية فهي قضية حدسية ، مضافاً إلى أنّه لا يوجد في القضية المتواترة احتمال أنّ الثاني
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ( عبد الساتر ) : ج 9 ، ص 432 . .