وأمّا الرواية الثانية التي يرويها أبو داود في سننه ، فقد ورد فيها اسم ( ضمضم ) ، وهو محلّ خلاف عندهم من حيث الجرح والتعديل ، وأمّا شريح الذي ينقل عنه ضمضم هذا الحديث ، فمن المظنون به قويّاً أنّه أرسل عن أبي مالك الأشعريّ دون أن يروي عنه مباشرة ، ولذا فهو لم يذكر الواسطة ، ومن المظنون به قويّاً أنّه لم يدرك أبا مالك ، كما شهد هو ضمناً بذلك ؛ لأنّ أبا مالك توفّي في حياة سعد بن أبي وقاص ، هذا مع العلم أنّهم على موازينهم قد شهدوا بوثاقة شريح .
وهناك من شكّك في أصل رواية شريح مباشرة عن الصحابة ؛ إذ « نقل عن محمّد بن عون أنّه سئل : هل سمع شريح من أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) فقال : لا أظنّ ذلك ، بل كان يسمع ممّن ينقل عن الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) ثمّ يرسله .
وصرّح أبو حاتم أنّ كلّ ما يرويه عن أبي مالك الأشعريّ ، فهو مرسل ؛ لما عرفت ، وبذلك يكاد يحصل الاطمئنان بالإرسال » « 1 » .
ثانياً : إنّ نصّ الرواية هو ( لا تجتمع أمتي على الضلالة ) ، وليس لا تجتمع أمتي على الخطأ ، والخطأ أعمّ من الضلالة ، فليس كلّ خطأ ضلالة ؛ وإلّا لكان الحكم الظاهري - في صورة عدم إصابته للواقع - ضلالة وغير مجزيّ . ولا يلتزم أحد بذلك .
بعبارة أخرى : « إن الموجود في الروايتين هو كلمة الضلالة ، وهي أخصّ من الخطأ ، فإنّها تستبطن الإثم والانحراف دون الخطأ ، فإنّ خطأ المجمعين في مسألة فرعية لا يعني ضلالتهم بالمعنى المفهوم من الحديث . وعلى فرض التسليم فإنّهما تدلّان على أنّ الأمّة معصومة ؛ لأنّ عدم اجتماع جميعها على الخطأ
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ( عبد الساتر ) : ج 9 ، ص 429 . .