وعمدة الأدلّة اللفظية التي استدلّ بها الفقهاء على حجّية الإجماع ، هو ما كان مفاده : أنّ الأمّة لا تجتمع على ضلالة ، وهذا المضمون روي بصيغتين في كتب الحديث :
الأولى : عن أبي خلف الأعمى ، أنّه قال : « سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) يقول
: إنّ أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم » « 1 » .
الثانية : ما نقله شريح عن أبي مالك الأشعري أنّه قال : « قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) :
إن الله أجاركم من ثلاث خصال : أن لا يدعو عليكم نبيُّكم فتهلكوا جميعاً ، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحقّ ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة » « 2 » .
ويمكن أن نسجّل على هاتين الروايتين جملة من الملاحظات :
أوّلًا : أنّهما روايتان عاميّتان ، لم يردا في كتب الخاصّة ، مضافاً إلى ضعف سند الأولى ؛ لوجود أبي خلف الأعمى في طريقها ، وقد شهدوا بضعفه ، وضعف سند الثانية ؛ لوجود ضمضم في طريقها ، واختلفوا في وثاقته .
قال الأستاذ الشهيد ( قدّس سرّه ) : « إنّ هذه الرواية غير معتبرة سنداً ، وليس هذا لأجل الأصول الموضوعيّة المذهبيّة عندنا ، بل حتّى بحسب موازينهم هم أيضاً في باب الجرح والتعديل ، فإنّ الرواية الأُولى ، وهي رواية أبي خلف ، فقد ورد فيها أبو خلف الأعمى ، وهو ضعيف ، كما شهد بذلك جملة من علمائهم ، بل قال بعضهم : إنّ هذا الحديث جاء بطرق كلّها فيها نظر .
هامش
( 1 ) سنن ابن ماجة ، للحافظ أبي عبد الله محمود بن يزيد القزويني ، دار الفكر للطباعة والنشر : ج 2 ، ص 1303 .
( 2 ) سنن أبي داود ، للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني ، دار الفكر ، الطبعة الأولى ، 1410 : ج 2 ، ص 302 . .