يحكم به العقل العملي مفادها : « أنّ الله سبحانه يجب عليه - من باب اللطف بالعباد - أن لا يمنعهم عن التقرّب والوصول إليه ، بل عليه أن يكمل نفوسهم القابلة ، ويرشدهم إلى مناهج الصلاح ، ويحذّرهم عن مساقط الهلكة ، وهذا هو السبب في لزوم بعث الرسل وإنزال الكتب . وعليه فلو اتّفقت الأمّة على خلاف الواقع في حكم من الأحكام ، لزم على الإمام المنصوب حجّة على العباد إزاحة الشبهة بإلقاء الخلاف بينهم ، فمن عدم الخلاف نستكشف موافقة رأي الإمام ( عليه السلام ) دائماً ، ويستحيل تخلّفه » « 1 » .
وقد أورد الأستاذ الشهيد ( قدّس سرّه ) - في تقريرات بحثه - على هذا الوجه عدّة إيرادات ، منها :
أوّلًا : أنّ هذا اللطف المزبور في إبراز الحقيقة ، إمّا أن يُدّعى أنّه لطف لازم من قبل الله تعالى بالنسبة إلى كلّ الفقهاء ، أو إلى بعضهم ، بأن يرشد خمسةً منهم إلى الحقيقة مثلًا ، وهذا يكفي في إنجاز المهمّة العقليّة على الله سبحانه وتعالى .
أمّا الثاني من هذين الشقّين فغريب في نفسه كبرويّاً ، فإنّ ميزان ترقّب اللطف منه تعالى هو العبوديّة والحاجة إلى هذا اللطف ، وهذه الحاجة في الجميع على حدٍّ واحد ، فكيف يختصّ ببعضهم ؟ إذ لا يكفي إشباع حاجة البعض في سدّ حاجة غيرهم .
وأمّا الأوّل بأن يفترض أنّ طريق الحقيقة مفتوح للجميع ، بحيث يمكن لكلّ فقيه أن يصل إلى الحقيقة ، غاية الأمر : أنّه يحتاج إلى بذل جهد أكثر من اللازم في مقام الاستنباط فيما إذا كان في مقام الاكتفاء بإجراء الأصول والقواعد العامّة ، فدعوى الجزم ببطلان هذه الدعوى حينئذٍ لا تكون مجازفة ، فإنّنا في كثير من الموارد نقطع بعدم تغيّر النتيجة التي كانت مقتضى الأصل أو
هامش
( 1 ) الأصول العامّة للفقه المقارن ، مصدر سابق : ص 264 - 265 . .