محال ، فأنت حتّى لو أقمت ألف برهان على استحالة اجتماع النقيضين فإنّ درجة الاطمئنان تبقى نفسها ولا تزداد . فزيادة درجة الاطمئنان في القضية الأولى بزيادة عدد المخبرين ، يكشف عن أنّها استقرائية .
وهذا خير شاهد على كون ( الصدفة لا تتكرر ) قضية استقرائية تجريبية لا أوّلية عقلية ، وإلّا لما ازداد الاطمئنان بها بسب كثرة المخبرين .
فتحصّل : أنّ الكبرى التي افترضها المنطق القديم هي قضية تجريبية وليست قضية عقلية أوّلية ، وما دامت ثابتة بالتجربة فلا يمكن أن تكون هي السبب لحصول اليقين بالقضية التجريبية .
وقد أشار إلى هذا المطلب الأُستاذ الشهيد بقوله : « لا توجد هناك كبريات عقلية أوّلية في باب التواتر والتجربة تقضي بامتناع التواطؤ على الكذب أو امتناع غلبة الصدفة كقضايا أوّليّة قبلية ، وانَّما هذه الكبريات بأنفسها قضايا تثبت بالاستقرار والمشاهدات ، أي : أنّها قضايا غير أوّلية ؛ بحيث لو قطعنا النظر عن العلم الخارجي ومقدار تكرّر الصدفة أو التواطؤ على الكذب فيها لكنّا نحتمل عقلًا تكرر الصدفة دائماً والتواطؤ على الكذب من جمع غفير ، وإنَّما ننفي ذلك بعد التجربة والمشاهدة لعالم الخارج . وليس حكم عقولنا في مثل هذه القضايا ، كحكمه باستحالة اجتماع النقيضين » « 1 » .
أضف إلى ذلك : أنّ حصول اليقين في القضية التجريبية والمتواترة لو كان ناشئاً من ( أنّ الصدفة لا تتكرر ) ، فاللازم أن يحصل اليقين بشكل واحد في جميع الحالات ، مع أنّا نلاحظ أنّ حصول اليقين يكون أسرع لو كان المخبرون في درجة عالية من الوثاقة أو كانت الظروف تساعد على صدق تلك القضية ، وهكذا بالنسبة إلى بقيّة العوامل المؤثّرة . وهذا شاهد وجدانيّ على أنّ السبب في
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 328 . .