تكون كلّ تجربة بحاجة إلى تجربة أخرى ، وكلّ قضيّة لابدّ من إجراء التجربة عليها مجدّداً ، وهذا يؤدّي عندهم إلى الدور أو التسلسل الممتنع .
ولذلك قالوا باستحالة كون هذه الكبرى ثابتة بالتجربة وبالبرهان ، وإنّما العقل يؤمن ويصدّق بها إيمانا أوّليّاً ، ولذلك تشكّل الكبرى والأساس الذي يعتمد عليه القياس الاستنباطي في كلّ القضايا التجريبيّة ، فكيف يعقل أن تكون هذه الكبرى تجريبيّة أيضاً وثابتة بالدليل والبرهان ؟ !
والأستاذ الشهيد يرى أنّ الكبرى التي تعتمد عليها القضية المتواترة والكبرى التي تعتمد عليها القضية التجريبية واحدة ، لذا قال : « وإذا دقّقنا النظر وجدنا أنّ الكبرى التي تعتمد عليها القضية المتواترة مردّها إلى نفس الكبرى التي تعتمد عليها القضية المتواترة » ؛ باعتبار أنّ الكبرى التي تعتمد عليها القضية المتواترة هي أن كلّ عدد من هذا القبيل يمتنع تواطؤهم على الكذب . فلو سألتهم : لماذا يمتنع تواطؤ مئة على الكذب ؟ فإنّهم يقولون : لأنّ كذب المخبر يعني افتراض مصلحةٍ شخصيةٍ معيّنةٍ دعته إلى إخفاء الواقع ، وكذب العدد الكبير من المخبرين معناه افتراض أنّ مصلحة المخبر الأوّل في الإخفاء اقترنت صدفة بمصلحة المخبر الثاني في الإخفاء ، فكذب علينا الاثنان ، والمخبر الثالث أيضاً كذب لأنّ له مصلحة ثالثة ، وصدفة اتّفقت هذه المصالح لأن يكذبوا علينا جميعاً ، وهذا يعني تكرّر الصدفة مرّات عديدة .
وعلى هذا الأساس أرجع المنطق الأرسطي الاستدلال على القضية التجريبية والقضية المتواترة إلى القياس المنطقي المؤلّف من المقدّمتين المشار إليهما سابقاً ، واعتقد بأنّ القضيّة المستنتجة التي حصل اليقين بها هي قضيّة مستبطنة في المقدّمتين ؛ إمّا لأنّها أصغر ، أو لأنّها مساوية ، ومن ثمّ فهي ليست أكبر من المقدّمات .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 314
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٣١٤