تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
من الإخبار الأوّل يكون ضعيفاً ؛ لوجود احتمال أن يكون هذا الإخبار كاذباً ؛ لوجود مصلحة دعت المخبر إلى الكذب ، فإذا أخبر شخص آخر بنفس هذه الحادثة فإنّ نسبة احتمال الصدق تقوى ، ونسبة احتمال الكذب تضعف ؛ وذلك لأنّ مبرّر الصدق في الخبرين - وهو صدور الكلام من المتكلّم واقعاً - واحد ، بينما مبرّر الكذب في الخبرين متعدّد ؛ لأنّ معناه أنّ مصلحة الأوّل في الكذب قد اقترنت صدفة واتّفاقاً مع مصلحة المخبر الثاني في الكذب . وهكذا كلّما ازداد عدد المخبرين قوي احتمال الصدق ؛ لأنّ مبرّره واحد ، وضعف احتمال الكذب ؛ لأنّ مبرّراته متعدّدة ومختلفة ، حتّى يصل إلى درجة قريبة جدّاً من الصفر . وممّا تقدّم اتّضح : أنّ نفس الكبرى التي افترضها المنطق القديم والتي تعتمد عليها القضية التجريبيّة والقضية المتواترة هي قضيّة مستنتجة من خلال التجربة والاستقراء القائم على مبدأ حساب الاحتمالات ؛ لأنّنا بعد أن شاهدنا في حوادث كثيرة أنّ لكلّ شيءٍ علّةً منظورة ، ولم يقع صدفة ، حكمنا بأنّ الصدفة لا تتكرّر . فعلى سبيل المثال : نحن إنّما عرفنا أنّ تواطؤ المخبرين الكثيرين على الكذب ممتنع من خلال المعايشة والتجربة والاستقراء ، والشاهد على ذلك : لو فرضنا أنّ إنساناً وُضع في غابة منذ صغره ولم يعش في مجتمع ولم يلتق بأنّاس ، وبعد أن كبر وشبّ في ذلك المحيط سألتَه : هل يمكن أن يجتمع ألف شخص على الكذب ؟ فقد لا يستبعد ذلك ، أمّا الإنسان الذي عاش في محيطه الطبيعي وعاشر الناس منذ صغره وحتّى كبره ، لو سألته نفس السؤال ، فإنّه سوف يستبعد اجتماعهم على الكذب . وإذا كثر إلى درجة يحصل لك منها اليقين بحسب قوانين الاحتمال ، فحينئذ لا تستبعد الكذب فقط ، بل تقول إنّه محال . والشاهد على ذلك أنّه كلّما زاد عدد المخبرين يزيد الاطمئنان . فلو كانت قضية عقلية أوّلية كما في اجتماع النقيضين