الأوّلية هي الكبرى في القياس ، وهو الحكم العقلي الذي هو عبارة عن ( امتناع اجتماع ألف مخبر عن موت زيد على الكذب ) ، وبهذه المناسبة جعلت القضية المتواترة أوّلية » « 1 » .
وهذا التصوّر للقضية المتواترة له نظيره في القضايا التجريبية ، التي تعدّ من البديهيات الستّ ، فإنّ المنطق يرى أنّ علّية الحادثة الأولى للحالة الثانية التي ثبتت بالتجربة عن طريق اقتران الثانية بالأولى في عدد كبير من المرّات مستنتجة من مجموع مقدّمتين أيضاً :
صغرى : وهي اقتران الحادثة الثانية بالأولى في عددٍ كبير من المرّات ، كما في ارتفاع الصداع عند تناول حبّة الأسبرين ، فالحادثة الثانية ( وهي ارتفاع الألم ) اقترنت بالحادثة الأولى ( وهي تناول حبة الأسبرين ) ، وهكذا لو جرّبنا مرّة ثانية وثالثة ورابعة . . . فإننا سوف نرى اقتران الحادثة الثانية بالحادثة الأولى ، فنقول : قد اقترن الصداع مع تناول حبّة الأسبرين في مرّات عديدة . فهذه هي الصغرى .
وهذا الاقتران إمّا أن يكون صدفة ، وإمّا لأنّ تناول المصاب حبّة الأسبرين علّة لارتفاع الصداع عنه ، من هنا نحتاج إلى ضمّ الكبرى القائلة : بأنّ الاتّفاق والصدفة لا يكون دائمياً ، بمعنى : أنّه يمتنع أن يكون هذا الاقتران في كلّ هذه المرّات صدفة ؛ لأنّ الصدفة لا تتكرّر لهذه الدرجة .
فتكون النتيجة هي : أنّ هذا الاقتران المتكرّر للحادثة الثانية بالأولى الثابت بالتجربة ليس اتّفاقاً وصدفة ، بل هو بنحو العلّيّة .
والصغرى - كما هو واضح - بديهية حسّية ، أمّا الكبرى فيرى المنطق الأرسطي أنّها قضية عقلية أوّلية ، ولا يمكن أن تكون قضيّة تجريبيّة يقام عليها البرهان والدليل ، وإلّا لامتنع الوصول إلى قضيّة يقينيّة من التجربة ؛ إذ سوف
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مباحث الحجج والأصول العملية : ج 10 ، ص 7 . .