السيّد الشهيد لا يقول بعدم إنتاج القياس الأرسطي لليقين ، بل يقول إنّ الطريق للوصول إلى اليقين الموضوعي لا ينحصر بالقياس الأرسطي ، وإنّما هناك طريق آخر له وهو الاستقراء ، وهذا - الطريق الثاني - لم يتوصّل إليه عقل أرسطو . فتحصّل أنّ منطق الاستقراء لم ينسخ منطق القياس ، وإنّما أضاف إليه شيئاً جديداً ، وهذه الإضافة هي إضافة مهمّة ؛ لأنّ منطق القياس دائماً النتائج فيه إمّا مستبطنة وإمّا مساوية ، ومنطق الاستقراء النتائج فيه أكبر من المقدّمات . من هنا نستطيع القول أنّ الأستاذ الشهيد ( قدّس سرّه ) استطاع من خلال منطق الاستقراء أن يسدَّ فراغاً في الفكر البشري بقي لمدّة ألفي عام « 1 » .
يرى الأستاذ الشهيد ( قدّس سرّه ) أنّ المقدّمات الاستقرائية - أيضاً - توصل إلى اليقين الموضوعي ، وليس هذا مختصّاً بالمقدّمات القياسية التي يقولها المنطق الأرسطي ، إلّا أنّ اليقين الذي يثبته الاستقراء هو غير اليقين الذي يثبته المنطق الأرسطي ؛ فإنّ المنطق الأرسطي يثبت نتيجة لا يثبتها المنطق الاستقرائي .
توضيح ذلك : يرى المنطق الأرسطي أنّه إذا تمّت مقدّمات البرهان ومقدّمات القياس مادّةً وصورة ، فالنتيجة التي تؤخذ فيها لها خصوصيتان :
الأولى : اليقين بثبوت المحمول للموضوع .
الثانية : اليقين باستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع ، ومن هنا سمّي اليقين المستنتج بالقياس ب - « اليقين المضاعف أو باليقين المركّب » .
أمّا النتيجة التي يثبتها الاستقراء ففيها الخصوصية الأولى فقط ، أي : اليقين بثبوت المحمول للموضوع ، أمّا هل يستحيل انفكاك المحمول عن الموضوع ، فهذا ما لا يثبته الاستقراء . فعندما نقول إنّ كلّا من القياس والاستقراء ينتجان
هامش
( 1 ) نعم ، قد تقول هل الأستاذ الشهيد ( قدّس سرّه ) قادر على إثبات أن نتيجة الاستقراء هي يقين موضوعيّ ؟ يرى بعض المفكّرين أنّ هذه المقدّمات - مع كلّ الجهد الذي بذله الشهيد الصدر - لا تعطي ولا تستوجب اليقين الموضوعي ( منه دام ظلّه ) . .