لا تتيح لها أن تحتفظ بالقيم الاحتمالية الصغيرة جدّاً ، فأيّ قيمة احتمالية صغيرة تفنى لحساب القيمة الاحتمالية الكبيرة المقابلة ، وهذا يعني : تحوّل القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين ، وهذا اليقين ليس هو اليقين المنطقي أو الرياضي . . . كما أنّه ليس هو اليقين الذاتي . . . وإنّما هو اليقين الموضوعي . ومثاله : اليقين بعلّية الحادثة الأولى للثانية ، بسبب اقترانهما في عدد كبير من المرّات .
توضيح بمثال : إذا شاهدنا اقتران حادثة بأخرى مرّات عديدة بحيث كان هذا الاقتران متكرّراً كثيراً ، فإنّه من المحتمل أن تكون إحدى الحادثتين علّة للأخرى ؛ لأنّ هذا الاحتمال يبرّر لنا الاقتران المتكرّر بينهما ، فإنّ العلّة إذا وُجدت وُجد المعلول بعدها ، ولكن يحتمل أيضاً أن لا تكون إحدى الحادثتين علّة للأخرى ، بل يكون اقترانهما معاً مجرّد صدفة ، ويكون هناك علّة كانت موجودة لكنّنا لا نعلم بها هي التي برّرت وجود الحادثة الأخرى .
فلأجل تعيين أحد الاحتمالين نقول : إنّ كلّ اقتران من هذه الاقترانات الكثيرة جدّاً يبعد كونه صدفة ؛ لأنّ الصدفة لا تتكرّر ولا تكون دائميّة . والحال هنا أنّ هذا الاقتران قد تكرّر دائماً ضمن هذه الاقترانات الكثيرة ، فهذا يبعّد الصدفة ، يبقى أنّ هناك علّيّة بين الحادثتين ، إلّا أنّ هذا الفرض أيضاً يحتمل فيه أمران :
1 . أن تكون العلّة للحادثة الأخرى هي الحادثة الأولى ، وهي منظورة وموجودة .
2 . أن تكون العلّة للحادثة الأخرى هي حادثة ثالثة غير منظورة ولا نعلم بها ، ولكنّها كانت توجد صدفة عندما تقترن الحادثة الأولى بالثانية .
ولأجل إثبات الاحتمال الأوّل دون الثاني نقول : إنّ كلّ اقتران للحادثة الأخرى بالحادثة الأولى عبارة عن قيمة احتماليّة بدرجة ما يثبت أنّ الحادثة الأولى هي العلّة للحادثة الأخرى ، وهذه القيمة الاحتماليّة موجودة في كلّ
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 290
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٢٩٠