الغاية من التفريق بين اليقينين
ثمّ إنّنا في البحوث السابقة عندما تحدّثنا عن حجّية القطع لم نفرّق بين هذين النحوين من اليقين ؛ لأنّ اليقين - سواء كان ذاتياً أم موضوعياً - بعد تحقّقه يكون حجّة ؛ منجّزاً ومعذّراً ، ولا يمكن للشارع أن يردع عنه . وأمّا في المقام فنحن بحاجة إلى التفرقة بين هذين النحوين من اليقين ؛ لنعرف الطرق والوسائل التي تثبت لنا اليقين الموضوعي حتّى نأخذ بها ، ونبتعد عن التورّط في مناشئ اليقين الذاتي .
فالمهمّ في المقام هو التمييز بين المقدّمات التي تستوجب حصول اليقين وبين المقدّمات التي لا تستوجب حصول اليقين . فهل مثل نعاق الغراب وما يراه النائم في منامه من المقدّمات التي تستوجب حصول الجزم واليقين أم هناك طرق خاصّة هي التي تستوجبه ؟
أقسام اليقين الموضوعي
تحصّل : أنّ محور البحث في المقام هو اليقين الموضوعي وكيفية حصول اليقين منه ، من هنا نقول : إنّ اليقين الموضوعي ينقسم إلى قسمين :
أحدهما : اليقين الموضوعي الأوّلي
وهو اليقين الذي لا يحتاج إلى واسطة في الإثبات ، كاليقين بالقضايا الأوّلية البديهية التي يدركها العقل دون الرجوع إلى قضايا أخرى ، ويعبّر عنها في علم المنطق بالضروريات التي تنتهي إليها كلّ أشكال البرهان ، كما في اليقين بأنّ الكلّ أعظم من الجزء ؛ إذ يكفي في حصول اليقين بهذه القضية تصوّر أطرافها . فمن يعرف ما هو الكلّ ، وما هو الجزء ، ومعنى « أعظم » ، يحصل له اليقين بصدقها . وكما في اليقين الحاصل من القضيّة القائلة بأنّ النقيضين لا يجتمعان ، فإنّ القطع والتصديق بهذه القضية لا يحتاج إلى أكثر من تصوّر معنى النقيضين