أوّلًا : السيرة التي تكون دليلًا على الحكم الشرعي الواقعي
والمقصود من ذلك أن يتّخذ العقلاء موقفاً ما وتصرّفاً معيّناً باعتباره الموقف الذي ينبغي اتخاذه واقعاً في نظر العقلاء ، بمعنى أنّه هو الواقع لا أنّه طريق إلى الواقع ، فيكون بناؤهم العقلائي على أنّ هذا الموقف الذي ساروا وتبانوا عليه - بما هم عقلاء - له نظير في الشريعة واقعاً ، أي : يكون هناك حكم واقعي على طبق الموقف الذي اتّخذوه ، سواء كان ذلك الموقف والتصرّف مرتبطاً بحكم تكليفيّ كالسيرة على إناطة التصرّف في مال الغير بطيب نفسه ولو لم يأذن لفظياً ، فيكفي عندهم الرضا القلبي للمالك وإن لم يتلفّظ بذلك ، فهذا موقف على الجواز الذي هو أحد الأحكام التكليفيّة .
أم كان ذلك الموقف والتصرّف مرتبطاً بحكم وضعيّ من قبيل السيرة القائمة على أنّ الحيازة سبب للملكيّة فيحكمون بأنّ من حاز شيئاً من المشتركات العامّة فهو مالك له واقعاً ؛ باعتبار أنّ للشارع - في ذاك الذي قامت السيرة على ملكيته واقعاً - حكماً ؛ لأنّه ما من واقعة إلّا ولله فيها حكم ، فهو إمّا أن يرى الحيازة سبباً للملكية فيسكت عن هذه السيرة ، وإمّا أن لا يراها سبباً للملكية فيردع عن هذه السيرة ، ومن عدم ردعه نستكشف الإمضاء . وهذا القسم من السيرة هو المعتمد في الفقه .
ثانياً : السيرة التي تكون دليلًا على الحكم الشرعي الظاهري
والمقصود من ذلك اكتفاء العقلاء بالظنّ عند الشكّ في الأمر الواقعي ، فيعتمد العقلاء على الظنّ والاكتفاء به عند انسداد الواقع أمامهم كموقف وطريق للعمل ظاهراً . واعتماد العقلاء على هذا الظنّ بوصفه حكماً ظاهريّاً ، له نحوان :
فتارة يعمل العقلاء بالظنّ ويكتفون به كموقف وحلّ عمليّ ظاهريّ في