وحاصل ما أفاده ( قدّس سرّه ) : تقدّم في المباحث السابقة أن الحكم الشرعي لا يتعلّق بالأعيان الخارجية ؛ لأن الخارج هو ظرف سقوط الحكم لا ظرف ثبوته ، فإذا تحقّق الشيء في الخارج تحقّق الامتثال والسقوط ، لا ثبوت الحكم ؛ لأن الحكم لو تعلّق بما هو في الخارج للزم تحصيل الحاصل . وكذلك الحكم الشرعي لا يتعلّق بالصورة الذهنية بما هي صورة ذهنية ؛ لأن الصورة الذهنية بما هي كذلك ، لا تكون منشأً للمصلحة والمفسدة والمحبوبية والمبغوضية . فتعيَّن أن يكون متعلّق الحكم الشرعي هو الصورة الذهنية التي تكون مرآة للخارج . وحينئذٍ إذا قال المولى : ( أكرم العالم ) ، لم يتعلّق وجوب الإكرام بالعالم الخارجي ولا بالصورة الذهنية في حدّها وحدودها ، وإنما بالصورة الذهنية للعالم التي تحكي عن الخارج وتكون مرآة له .
وهذه الصورة الذهنية التي تكون متعلّقاً للحكم الشرعي بما هي مرآة للخارج في حد ذاتها قابلة لأن تنعكس فيها جميع الأفراد . ومن الواضح أن رؤية جميع الأفراد من خلال الصورة لا يحتاج إلى مؤونة زائدة غير قابلية المفهوم للانطباق على الأفراد ، وهذا معنى أن مقدّمات الحكمة تقتضي الحمل على الشمولية ؛ باعتبار أن المراد من الشمولية جميع الأفراد ، والصورة التي هي متعلّق الحكم الشرعي لها قابلية الانطباق .
وهذا بخلاف ما لو أردنا البدلية ، فإن في البدلية نوعاً من التقييد ، حيث تقيد الصورة بقيد الوحدة غير المعينة . وهذا النوع من التقييد لا يُعطيه صرف انعكاس الأفراد من خلال الصورة ، بل يحتاج إلى عناية زائدة ؛ ولأجل ذلك كان الإطلاق الشمولي هو المتناسب مع مقدّمات الحكمة ولا يحتاج إلى شيء زائد ، بخلاف البدلية .
بعبارة أخرى : لو قال المولى : ( أكرم الفقير ) ، فهل يريد اسم الجنس الذي هو أمر ذهني أو يريد ما هو المحكي بالفقير ؟ وعندما يجعل المولى العالم
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 392
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٣٩٢