وعندما نحكم على النار بأنها في الموقد فإنّ المراد أنّها فيه خارجاً لا ذهناً ، ولكن حيث إنّ مفهوم النار ومفهوم الموقد متّحدان - بنحو من أنحاء الاتحاد - مع الوجود الخارجي ، فكما نحكم لهما ذهناً يكون الحكم لهما خارجاً .
وبعبارة أخرى : إذا نظرنا إلى النار وإلى الموقد نجد أنّهما مفهومان لكي تحكم النفس عليهما بشيءٍ ، لا يشترط إحضار حقيقتهما في الذهن ، بل يكفي إحضار مفهومهما فيه ، ولكن هذا المفهوم لابدّ أن يكون له اتحاد ما مع الخارج وإلّا لا معنى لسريان حكم أحد المتّحدين إلى الآخر ؛ من قبيل الحكم على النار بأنها حارة ، فهذه الحرارة لمصداق النار ، ولكن حيث إن هذا المفهوم متّحد مع النار الخارجية ، فالحرارة تكون للنار الخارجية ، ولكن بتوسط هذا المفهوم الذي له نحو من الاتحاد مع الخارج .
قال في المباحث : « والهدف من انتزاع مفهوم النار ومفهوم الموقد ليس هو إيجاد الخصائص التكوينية للنار والموقد بأن تصبح النار - مثلًا - محرقة للذهن ، وإنما الهدف من ذلك هو إصدار الحكم بكون النار في الموقد ، وإصدار الحكم لا يتوقّف على أن يحضر في الذهن بالنظر التصديقي ما هو طرف للحكم ، بل يكفي فيه إحضار ما هو طرفه وموضوعه بالنظر التصوّري ، ولهذا يُحضر في الذهن مفهوم النار ، ومفهوم النار ليس ناراً حقيقية وبالنظر التصديقي ، وإنما هو نار بالنظر التصوّري » « 1 » .
أما إذا جئنا إلى المفهوم الثالث وهو المفهوم المنتزع بإزاء الارتباط والعلاقة والنسبة القائمة بين النار والموقد ، لوجدنا أنّ الغرض من إحضاره ليس هو
صرف التمكّن من إصدار الحكم ، بل الحصول على حقيقة النسبة والربط في الذهن لكي يحصل الارتباط حقيقة بين مفهوم النار ومفهوم الموقد في الذهن .
فلابدّ في هذا النوع من المفاهيم من إحضار حقيقة النسبة إلى الذهن ولا
هامش
( 1 ) مباحث الأصول ، مصدر سابق : ج 1 ق 1 ، ص 139 .