وجودها من ذهن أو خارج ، إلا أن هذا كلّه لا يلازم كونها إيجادية بالمعنى الذي ذكره قدس سره ، لأن ربط الحروف بين المفاهيم الاسمية في التراكيب الكلامية غير المربوطة بعضها ببعض إنّما هو من جهة دلالتها على معانيها التي وضعت بإزائها ، لا من جهة إيجادها المعاني الربطية في مرحلة الاستعمال والتركيب الكلامي .
مثلًا : كلمة في في قولهم : زيد في الدار باعتبار دلالتها على معناها الموضوع له رابطة بين جزئي هذا الكلام غير المربوط أحدهما بالآخر ذاتا ، لا أنها توجد الربط في نفس ذلك التركيب ، ولا واقع له في غير التركيب الكلامي . فكما أنّ الأسماء تحكي عن مفاهيمها الاستقلالية في حدّ أنفسها في عالم مفهوميتها كذلك الحروف تحكي عن المفاهيم غير المستقلّة كذلك . فالكاشف في مقام الإثبات عن تعلّق قصد المتكلّم في مقام الثبوت بإفادة المعاني الاستقلالية هو الأسماء ، والكاشف عن تعلّق قصده كذلك بإفادة المعاني غير الاستقلالية هو الحروف وما يحذو حذوها .
ونتيجة ذلك : عدم الفرق بين الاسم والحرف إلا في نقطة واحدة ، وهي : أن المعنى الاسمي مستقلّ بحد ذاته في عالم المعنى ، وبذلك يكون إخطاريا ، والمعنى الحرفي غير مستقلّ كذلك فلا يخطر في الذهن إلا بتبع معنى استقلالي ، وهذا لا يستلزم كونه إيجادياً .
ومن هنا يظهر فساد ما أفاده قدس سره : من أن المعنى إمّا إخطاري مستقلّ ، وإما إيجادي غير مستقلّ ، ولا ثالث لهما ، فالأول معنى اسمي ، والثاني معنى حرفي .
وتوضيح الفساد : هو أن المعنى الحرفي وإن لم يكن إخطارياً في نفسه لعدم استقلاله في نفسه ، إلا أنه ليس بإيجادي أيضاً ؛ لما قدّمناه من أن له نحو ثبوت
في وعاء المفاهيم كالمعنى الاسمي » « 1 » .
هامش
( 1 ) محاضرات في أصول الفقه ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 74 73 .