من هنا استأثرت هذه الظاهرة باهتمام علماء الأصول فدفعتهم إلى مواصلة البحث والتنقيب في مدلولات الحروف ليخرجوا بالتحليل النهائي الذي على أساسه يمكن تفسير حقيقة الفرق بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي ، فوجدت عدّة نظريات :
النظرية الأولى : علامية الحروف « 1 »
إنّ الحروف لا معاني لها بل هي علامات للمعاني الاسمية كالإعراب في الكلمات المعربة ، فكما أن الرفع مثلًا علامة للفاعل ، والنصب علامة للمفعول ، كذلك الحروف ، فكلمة من مثلًا علامة لابتداء السير وإلى علامة لانتهائه في جملة سرت من البصرة إلى الكوفة ، وهذه النظرية أوردها المحقّق الرضي الاسترآبادي في شرح الكافية ، حيث قال : « إن معنى من الابتداء ، فمعنى من ومعنى لفظ الابتداء سواء ، إلا أن الفرق بينهما أن لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر ، بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقة ، ومعنى من مضمون لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي ، فلهذا جاز الإخبار عن لفظ الابتداء ، نحو : الابتداء خير من الانتهاء ، ولم يجز الإخبار عن من ؛ لأن الابتداء الذي هو مدلولها في لفظ آخر ، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه ؟ بل في لفظ غيره ، وإنما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقة ، فالحرف وحده لا معنى له أصلًا ، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أن في ذلك الشيء فائدة ، فإذا
هامش
( 1 ) هذه النظرية لم يذكر المصنّف في المتن ، ونحن أشرنا إليها للفائدة والاطلاع .